الطرافة بين الأشخاص تنطوي على عدوان مستتر

“النكات وعلاقتها باللاوعي”؛ كتاب قديم لرائد مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد، وهو يؤسس لمفهوم النكتة من وجهة نظر نفسية ودورها في الترويح عن الغضب والسخط والعدوان أيضا، باعتبارها مخرجا مؤقتا لكل ما هو مكبوت في النفس البشرية، والذي لا يمكن التعبير عنه بصورة مباشرة خوفا من تبعاته المجتمعية والقانونية ربما، إضافة إلى علاقة النكتة بالحلم باعتبارهما يدوران في الفلك ذاته، وهو منطقة اللاوعي.
الأربعاء 2017/11/22
النكتة تروح عن الغضب والسخط والعدوان

تتمثل النكتة في الغرابة، حيث يعتمد أساسها على المفارقة المتوافرة في أحداث حياتنا اليومية ولهذا السبب ربما تؤثر في الناس وتستدعي اهتمامهم. وهناك فرق أيضا بين النكتة، الطرفة أو الملاحظات اللاذعة، التهكم، السخرية والتنمّر.

ومن وجهة نظر علم النفس، تنبع الأفكار والمشاعر المكبوتة من اللاوعي فتتجلى في صور كثيرة منها الأحلام، زلات اللسان مثلا، فيما تعد النكتة أحد أهم مظاهرها النكتة السياسية على وجه الخصوص. والنكتة، بحسب فرويد، معنية بالقبح تحديدا وضرورة الكشف عنه.

وهناك بالطبع ثلاثة مستويات للنكتة؛ موضوعها ومن يقدمها وفي النهاية الجمهور الذي يستمع إليها وقد يكون الجمهور نفسه أو أحد أفراده كبش الفداء في هذه الدائرة القصيرة من التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من إمكانية أن توجه النكتة نفسها بسخرية أو تنفس عن عدوانية تجاه هذه الضحية أو كبش الفداء، فإنها تتخذ طريقة مقبولة اجتماعيا مثلما تثير الضحك وتنطوي على بعض من المتعة.

ويرى غراهام سي. ديفي، أستاذ علم النفس في جامعة ساسكس البريطانية والرئيس السابق للجمعية البريطانية لعلم النفس، أن النكتة يمكن أن تمثل شكلا مخيفا من العدوان على الآخرين، قد يكون هؤلاء جماعة أو مجتمعا معيّنا ربما يشتركون في أصول قومية، دينية أو عرقية. وهنا يمكن للنكتة أو الطرفة التي تروى عن جماعة من الناس أو شعوب بأسرها أن تعبّر عن شكل من أشكال السيطرة الاجتماعية والهيمنة، لتعبّر عن صورة من صور الرفض للآخر.

وغالبا ما يوجه هذا النوع من المزح السمج إلى مجموعة من الناس أو أفراد شعب يشارك صاحب النكتة أو يقاربه في بقعة جغرافية معينة؛ فالفرنسيون يحلو لهم في العادة إطلاق النكات على البلجيكيين، وهكذا يفعل بعض الإنكليز مع الشعب الأيرلندي، والأمثلة لا تعد ولا تحصى على امتداد خارطة هذا العالم.

يمكن للنكتة أو الطرفة أن تعبّر عن شكل من أشكال السيطرة الاجتماعية لتعبّر عن صورة من صور الرفض للآخر

ويعرض ديفي في بعض مقالاته التي يتناولها في مجلة “علم النفس التجريبي”، التي يرأس تحريرها أيضا، بعض الحقائق المتعلقة بتداول النكتة وأصلها في المجتمعات إضافة إلى أساسها النفسي.

ويؤكد أن الأطفال في المدرسة الابتدائية يبدأون باستخدام الطرفة السمجة في المزاح عن طريق إغاظة أقرانهم من التلاميذ بالتندر على أسمائهم مثلا، وهي خطوة قصيرة لا يفصلها إلا القليل عن التنمر أو الإساءة اللفظية، ولهذا، فحتى في عالم الطفل يمكن أن تنطوي النكتة على عدوان مستتر.

إلى ذلك، فإن أغلب البالغين الذين يعانون من اضطرابات القلق الاجتماعي، تعرضوا في طفولتهم إلى هذا النوع من الإغاظة أو ما يسمّى بـ”العدوان اللفظي” ما سبب لهم جروحا نفسية بليغة، حيث أشارت إحدى الدراسات في هذا الإطار إلى أن أكثر من 92 بالمئة ممن يعانون من القلق الاجتماعي كانوا تعرضوا في طفولتهم إلى نوع أو أكثر من الإساءات اللفظية التي وصلتهم من أقرانهم بصورة تهكم وسخرية وإغاظة، اتخذ معظمها أسلوب النكتة أو الفكاهة السمجة، وهي تشبه في تأثيرها ما تلقوه في ساحة اللعب من لكمات وضربات من قبل أقرانهم.

ويطلق علماء النفس على هذا النوع من السلوك العدواني “التنمّر العاطفي” وهدفه استبعاد الأفراد من جماعة أو فئة اجتماعية معينة، فيما تقل فرصة الضحية في عقد علاقة صداقة مع أقرانه وصعوبة تقبّله من قبلهم، إضافة إلى المعاناة في تكوين علاقات صداقة جديدة. أما أساليب التواصل في الحياة اليومية الحديثة، التي تعتمد بشكل كبير على التقنية ومواقع الإنترنت ووسائلها في التواصل، فهي تقدم فرصة أكبر لممارسة “التنمر” على الأقران في المدرسة بصورة تهكم وسخرية، حيث تتيح هذه الوسائل فرصة أكبر لسهولة وسعة استخدامها وعدم وجود المحددات الاجتماعية مع غياب رقابة الكبار.

ويؤكد ديفي، على أن الإساءة بوساطة وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت تعد أكثر خطورة مما يحدث على أرض الواقع، فالتنمر من قبل الأقران واستهداف الطفل بالإساءة قد ينتهيان مع الموقف ولمرة واحدة، أما في الانترنت فالمسألة أكثر تعقيدا إذ أن الأمر أشبه بعدوى سريعة الانتشار، إذ حالما يتم استهداف شخص معين، خاصة الأطفال والمراهقين الذين يكونون في العادة هدفا سهلا لأقرانهم، تتم متابعة الأمر وانتشاره كانتشار النار في الهشيم وتتحول المزحة التي تبدو بريئة في بدايتها إلى سلسلة مستمرة من أساليب البلطجة والتهكم وجرح المشاعر، التي تأتي جميعها في إطار النكتة.

أما جمهور المتلقين من مشتركي هذه المواقع، فإنهم أعداد لا نهائية وهنا يكون مكمن الخطر، فالطفل أو المراهق يشعر وكأنه مكشوف تحت أضواء هذا العالم القاسي والجميع يستمتع بمشاهدته مثل مهرّج في سيرك أو قرد في حديقة حيوان أو أسوأ من ذلك.

فممارسة التنمّر في المدرسة توجه عادة من قبل الأطفال الأقوياء بدنيا نحو طفل ضعيف في العادة، أما في الإنترنت فإن القوة هنا تتمثل في المقدرة والبراعة اللتين يمتلكهما شخص ما في إدارة عالمه الافتراضي والتعامل مع وسائل التقنية الحديثة، حيث لا تهم عضلاته كثيرا! وما لم تتم السيطرة بشكل جدي على هذا النوع من الإساءة، فبإمكاننا أن نتخيل جيلا بأكمله سينشأ وهو يعاني من كل أنواع القلق والاضطرابات النفسية.

21