الطرق الصوفية المصرية.. محاولة إنتاج بديل ديني يقطع مع التشدد

الاعتداءات التي تعرضت لها الزوايا الصوفية من قبل التنظيمات السلفية أثارت قضية موقف تيارات الإسلام السياسي بشكل عام من الطرق الصوفية. قضية استخلص من خلالها البعض أن الصوفية تمثل الأصيل والسلفية تمثل الوافد، ومنها أيضا أن الطرق الصوفية تمثل البديل الثقافي عن الغلو الذي توفره التيارات المتطرفة. مسألة يعاد طرحها على خلفية انتخابات المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر، الذي سيبحث الآمال المعقودة على هذه التجربة الدينية في هذا السياق من محاربة مظاهر التشدد.
الأربعاء 2017/05/24
البديل المجتمعي

تجرى بمصر الأربعاء انتخابات المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وسط أجواء تنافسية تعكس الآمال المنعقدة على الحالة الصوفية في المرحلة المقبلة لملء الفراغ الديني والروحي في المجال العام، مقابل رغبة الملايين من مريدي هذه الطرق في صعود إدارة جديدة قادرة على استرداد هيبة ومكانة التيار الصوفي الكبير.

يشار إلى أن الانتخابات تنعقد كل ثلاثة أعوام لاختيار عشرة أعضاء يشكلون هيكل المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وهو الكيان الوحيد الممثل للصوفية في مصر، بينما يتم اختيار شيخ مشايخ الطرق الصوفية وهو رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية من بين العشرة المنتخبين بقرار من رئيس الجمهورية.

ويبدي البعض من مشايخ الطرق تحفظات على أسلوب تعاطي المجلس المنقضية ولايته مع مختلف الملفات المرتبطة بالشأن الصوفي، وأهمها التخاذل أمام تجاوزات التيار السلفي والتنظيمات التكفيرية التي اغتالت أحد مشايخ الصوفية في سيناء وهو سليمان أبوحراز، علاوة على عدم اتخاذ تدابير كافية تحول دون إقدام البعض من السلفيين على هدم أضرحة الأولياء، حيث وقعت عدة حوادث تنطوي على استخفاف بالوزن السلفي بالمجتمع منها هدم ضريح بمحافظة الغربية وآخر بمحافظة الجيزة جنوب القاهرة.

ويرى البعض من رموز ومشايخ الطرق الصوفية، ممن يحملون رؤى معارضة وإصلاحية داخل البيت السلفي، ضرورة أن تكون هناك مسافة تفصل الطرق الصوفية عن السلطة الحاكمة، وشددوا على أن تبني النهج المداهن في ركاب السلطة الحاكمة أضر بالصوفية، وطالبوا بمواقف أكثر استقلالية تعفيها من تحمل مسؤولية إخفاقات بعض الأنظمة السياسية وتدني شعبيتها.

المشهد المصري الراهن في حاجة للتخفيف من السياسة ولترشيد توظيف السياسي للدين والديني للسياسة

تتنافس في الانتخابات الحالية ثلاثة تكتلات رئيسية، أولها تحالف الرئيس الحالي للمجلس الأعلى عبدالهادي القصبي، ويضم العديد من ممثلي الطرق المؤثرة في المشهد الصوفي، والتكتل الثاني يقوده شيخ الطريقة العزمية محمد علاء أبوالعزائم، ويتبنى هذا التكتل خطابا معارضا ويطرح برنامجا إصلاحيا.

ويقود التكتل الثالث شيخ الطريقة الشبراوية، ويتبنى هو الآخر نهجا إصلاحيا، ويرأس الشيخ محمد عبدالخالق الشبراوي جبهة تنادي بإصلاح الصوفية لتحقيق طموحات الملايين من الصوفيين في مصر.

وتذهب التوقعات في اتجاه التجديد للمجلس القديم عدا تصعيد اثنين من الموالين له بداعي مرض اثنين من أعضاء المجلس الحالي، وهو ما يفسر الهواجس حيال الوجوه الإصلاحية ليس بسبب تبنيها فكرة الاستقلال عن السلطة في الأساس، إنما على خلفية ارتباطاتها الخارجية تحت ستار “الاتحاد العالمي للطرق الصوفية” الذي يرأسه محمد علاء ماضي أبوالعزائم.

ويعتقد خبراء في الملف الصوفي أنه من الصعب الرهان بشكل كامل على التيار الصوفي لتعويض غياب الأحزاب السياسية وإخفاقات تيار الإسلام السياسي، وهناك تخوفات من بديل ديني آخر يحظى بحضور عالمي تعداده لا يقل عن ستمئة مليون صوفي على مستوى العالم منضوين داخل العشرات من الطرق لا يملك المناعة الكاملة ضد اختراقه وتوظيفه من الخارج، من قبل قوى إقليمية تستغل بعض أوجه الشبه مع الصوفية في ما يتعلق بحب أهل البيت وتعظيم الأولياء.

وألمح البعض من المتخصصين إلى أن تيار الإخوان ظل مداهنا طوال عقود، وما إن سنحت الفرصة سعى لاستنساخ حزب الله الشيعي من منطلقات المظلومية والكربلائية واعتبار قضية السلطة والوصول للحكم هي الأساس بإمامة دينية، سعيا لخلق سند سياسي خارجي قوي من خلال الارتباط بنفوذ إحدى القوى الإقليمية المؤثرة، وبالتحول لاستحداث ذراع عسكرية تؤازر الحضور السياسي وتحميه.

وشدد مراقبون على أنه لم تعد هناك تيارات عصية على التسييس حتى تلك التي تتبنى النهج الوسطي والإصلاحي، مستدلين بورود التيار الصوفي ضمن إستراتيجية الغرب للتغيير في الشرق الأوسط، خاصة وأن للطرق الصوفية تنظيمات وفروعا عالمية أكبر من نطاق دولة بعينها، علاوة على ما يحظى به من عناية ومتابعة من جانب إيران، وألمحوا إلى تجربة حركة “خدمة” التركية وصولا لما تشهده تركيا من انقسام كان انخراط التيار الصوفي في العمل السياسي أحد تجلياته، وهو ما لم يقم به قبل امتداد نشاطه خارج الحدود التركية.

قوة الصوفية تكمن في التسامح وهو ما تختلف به عن جماعات الإسلام السياسي، فعلاقتها بالأقباط متينة، والتيار الصوفي بالبديل الوطني يحفظ تماسك المجتمع وتنوعه

اللافت أن القضية لم تعد متعلقة بالتمظهر ضمن مربع الاعتدال، حيث دشن الإخوان حضورهم الأخير على أساس أنهم أيضا تيار الاعتدال والوسطية الذي سيساعد الدولة في حصار تيار العنف والتشدد، ولا في مزاعم الالتصاق بالسلطة، فقبل الشقاق بينهما كان فتح الله غولن حليفا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنما في طبيعة تكوين تلك الحركات وثقلها التنظيمي والعددي وإرثها المجتمعي وامتدادها الخارجي.

الخبير في شؤون الحركات الإسلامية ناجح إبراهيم أكد أن المشهد المصري الحالي بحاجة للتخفف من السياسة ولترشيد توظيف السياسي للدين والديني للسياسة، مشددا على أهمية التصوف الصحيح وما أطلق عليه “التصوف العلمي” لا التصوف المسيس.

أوضح إبراهيم في تصريحات لـ”العرب” أن ما تريده بلاد المسلمين اليوم هو التصوف النقي المتسامح الزاهد في المناصب ومتاع الدنيا لينقذ المجتمعات من جور السياسة وشرور الساسة، مؤكدا أن الحركة الإسلامية تسببت بانغماسها في مستنقع السياسة في مشكلات وصراعات لا حصر لها، ولا حل سوى بالعودة للتصوف الحق الذي لا بدع فيه ولا خرافات ولا دروشة، الذي يسمو على الأحقاد والكراهية ونزعات الثأر.

من الجدير بالملاحظة أن النكوص في مفهوم الإنسان المسلم الذي يتعامل مع هويته كمواطن يعيش في دولة لا في قوقعة طائفية وهو ما تحقق نتيجة ممارسات تيار الإسلام السياسي والتكفيري في البلاد العربية، دفع نحو الطلب المتزايد على الرأسمال الديني خاصة لدى الشباب بعيدا عن حقل السياسة وصراعاتها، خلاصا من ثنائية إما التطرف الديني أو الإلحاد.

في الوقت الذي تطرح فيه الصوفية نفسها كبديل مظهرة روحانياتها ومتخلية عن الطموح السياسي، تظهر أصوات محذرة من تلك اللعبة وهذا التوظيف المتعاقب للمجال الديني، حيث لا يتردد النظام في قبول دعم تيار إسلامي في مواجهة حركة التمرد التي تقودها حركات أخرى، دون الوقوف على أبعاد ومآلات ذلك التوظيف وعلى الإجابات عن أسئلة النهايات والمصائر.

هناك متغيرات مسؤولة عن هذا التحول في التعاطي مع الحالة الصوفية وفق ما يراه البعض من المحللين السياسيين؛ فالعديد من المكونات الصوفية انقلبت على قناعاتها المتوارثة بعد حراك 25 يناير 2011، وأظهرت رفضها لحكم حسني مبارك الذي ظلت مؤيدة له طوال ثلاثين عاما، واتجهت الطرق الصوفية نحو إنشاء أحزاب سياسية على رأسها حزب “التحرير”، وهو ما استدعى نتيجة مفادها أن مختلف التيارات تحكمها المصالح، وهي قابلة في مرحلة ما للتوظيف المضاد إذا توفرت مقوماته ودوافعه النفعية والمادية.

طارق ياسين رفاعي، شيخ الطريقة الرفاعية بمصر، أوضح أن قوة الصوفية تكمن في التسامح وهو ما تختلف به عن جماعات الإسلام السياسي، فعلاقتها بالأقباط متينة، واصفا التيار الصوفي بالبديل الوطني الذي يحفظ تماسك المجتمع دون توظيف طائفي.

ويرى الخبراء أن التيار الصوفي يشتمل على بدائل ثقافية واجتماعية وفكرية ثرية يمكنها الإسهام في فك القيود الدينية التي تم تكبيل المجتمعات العربية بها في المجال العام، كما يمكنها استرداد التوازن للحياة الدينية بمصر من خلال رؤى مفكريها وتراثهم الفلسفي التنويري والروحاني، لكنهم شددوا في الوقت ذاته على التنبه لما طرأ من متغيرات على سلوكيات وممارسات مجمل الحالة الصوفية.

13