الطريقة النقشبندية.. رؤية للإسلام المعتدل القائم على المحبة

الثلاثاء 2013/10/29
الشيخ ناظم يتبنى قراءة معتدلة للإسلام

يأتي الزوار والمهتمون من جميع أنحاء العالم لرؤية هذا الرجل. إنه الشيخ ناظم، البالغ من العمر 91 عاما، وهو أحد شيوخ الصوفيين الذين يريدون أن يقدموا صورة عن الإسلام المعتدل القائم على المحبة، الرافض للتشدد الديني.

احتفل الشيخ ناظم بعيد ميلاده الواحد والتسعين في أبريل من العام الماضي، وهو أحد الشيوخ الصوفيين الأكثر شهرة في الغرب.

والشيخ ناظم من شيوخ الطريقة النقشبندية، إحدى أكثر الطرق الصوفية انتشارا في العالم، وقد نشأت هذه الطريقة في آسيا الوسطى في مطلع الألف الثاني بعد الميلاد، بحسب ما يشرح تيري زاركون المتخصص في الشؤون الإسلامية.

والتصوف مذهب عرفاني في الإسلام، يسعى إلى تحسين العلاقة بين المرء ونفسه، وبينه وبين ربه، ولا سيما من خلال التأمل، أكثر من البحث في المحرمات والمباحات.

ويعرف عن الطريقة النقشبندية أنها من أكثر الطرق صرامة بسبب التزامها الشديد بأحكام الشريعة الإسلامية.

لكن الشيخ ناظم يقود طريقة أقل صرامة، هي الطريقة النقشبندية الحقانية، التي ينتشر أتباعها في أوروبا والولايات المتحدة، وينشطون كثيرا على صفحات الانترنت.

وتقول جيهان رجب، وهي مترجمة إيطالية مصرية قررت ترك عملها المرموق في الأمم المتحدة لتكون من مريدي الشيخ ناظم: «إن التصوف يجلب لي شعورا بالرضا لم أشعر به من قبل لا من خلال عملي ولا من خلال حياتي الشخصية».

وتضيف هذه السيدة الأربعينية التي قررت منذ ثلاث سنوات أن تستقر إلى جوار الشيخ ناظم في الشطر الشمالي من جزيرة قبرص الذي تحتله تركيا: «في البدء، كان من الصعب على عائلتي أن تتفهم هذا القرار. لكني كنت أبحث عن شيء أكثر أهمية مما نفعله في عملنا وحياتنا اليومية».

وتقيم جيهان بالقرب من منزل مشترك يستقر فيه العشرات من مريدي الطريقة النقشبندية الحقانية، يتشاركون في أعمال الزراعة والمهمات المنزلية، إلى جانب عائلة الشيخ ناظم.

وبين الحين والآخر، يخرج الشيخ ناظم على كرسيه المتحرك ليقول على مسمع المريدين بعض الأدعية والحكم. لكنه لم يعد قادرا على أن يؤمهم في الصلاة.

يرحب أهل هذه الدار بزوارهم، فالباب مفتوح دائما على مصراعيه، والزوار مدعوون إلى المشاركة في إحدى الوجبتين اليوميتين اللتين تقدمان في أروقة المنزل.

وهنا، بين المريدين والزوار وأصحاب الحاجات، لا تتوقف الحركة ولا تهدأ.

وفي أحد الأيام، يتقاطر إلى مسجد الشيخ ناظم زوار من ألمانيا وإيطاليا وسويسرا وروسيا وباكستان والولايات المتحدة وتركيا وقبرص.. يؤدون الصلاة ثم يستمعون إلى خطبة حول «الحب الحقيقي» وهو حب الله.

ويقول الشيخ بهاء الدين نجل الشيخ ناظم وخليفته في قيادة الطريقة: «لدينا هنا أشخاص مسلمون، وآخرون اعتنقوا الإسلام». وأدى الشيخ بهاء الدين الخطبة باللغة الانكليزية، وعزز معانيها بالأمثال والطرائف.

يقول «نحن نعد الجماعة الأكثر نشاطا في أوروبا»، وخصوصا في لندن، إضافة إلى اسطنبول ولوس أنجليس وميتشيغان. لكنه يرفض تقدير أعداد مريدي الشيخ ناظم، لأنه لا إحصاءات حقيقة حول ذلك، كما يقول.

ومن أتباع هذه الطريقة الشيخ هشام قباني الذي ينشط في الولايات المتحدة منذ التسعينات.

وفي العام 2005، وإثر تفجيرات لندن، أسس الشيخ هشام مجلسا للمسلمين الصوفيين، هدفه «رفع صوت الأكثرية الصامتة من المسلمين المعتدلين» بوجه التشدد الديني.

ويقول زاركون «إنه شكل مرن من الإسلام، وهو ذو رؤية مقبولة. ويشكل التصوف عاملا أساسيا في التصدي للتشدد الإسلامي في الولايات المتحدة و أوروبا (..) مقدما نفسه على أنه أداة لمكافحة التطرف».

لدى الشيخ ناظم العديد من المنشورات عن تعاليمه ولديه مراكز في جميع أنحاء العالم. ووفقا لنجله بهاء الدين، فإنه يحب فلسفة والده لأنها تضع الحب على رأس قائمة الأولويات.

وبهذه الطريقة الصوفية التي يتبناها الشيخ ناظم، فإنه بذلك يدافع عن جملة من القيم الإسلامية التي تؤكد على المحبة وتدعو إلى التفاعل الإنساني الإيجابي.

ولا يكون ذلك إلا بالإخلاص في العلاقات القائمة على الحب المستمد أساسا وحسب الرؤية الصوفية من حب الله. فحب الله دافع قوي حسب الطريقة النقشبندية إلى تنامي المشاعر الإنسانية الخالصة والتي ترى في قيم الإسلام سبيلا للتواصل والتآخي و الانسجام البشري على أساس المحبة.

الشيخ ناظم قدم نموذجا في فهم قيم الإسلام وجوهر رسالته القائمة على المحبة، وهو بذلك يرفض رفضا صارما الخطاب الديني المتشدد الداعي للعنف والصراع والتغيير بالقوة.

فالقوة وحسب الخطاب الصوفي لا تغير شيئا وإنما التغيير يحصل في القلب في علاقة المحبة والتماهي مع الله ومع خلقه وذاك الحب يشكل دافعا للعطاء وإرساء عالم آخر يسوده التفاعل الايجابي بين مكوناته.

إن الشيخ ناظم يعطي المثال على أن قيم الإسلام لا يمكن أن تكون فاعلة ومؤثرة في الآخر المختلف ما لم تدعو للمحبة والتضامن والتعايش بين الشعوب.

13