الطريق إلى الثراء يكتشفه الأغبياء قبل الأذكياء

خيار الاعتماد على الأشخاص الأذكياء في إدارة المشاريع يبدو نظريا صائبا، ولكن النتائج لا تكون في جميع الحالات إيجابية.
الثلاثاء 2015/08/18
النبوغ في الصغر ليس مؤشرا على النجاح عند الكبر

قوض خبراء علم النفس الاعتقاد السائد بأن المتفوقين علميا يمتلكون مهارات تعصمهم من ارتكاب الحماقات مثل بقية الأشخاص العاديين، بل حتى الأشخاص الأكثر ذكاء لا يستطيعون دائما بلوغ مراتب عليا في الحياة.

وأشاروا إلى أن الغنى والمراكز المرموقة لا يرتبطان بكم الشهادات العلمية أو بالنبوغ الفكري، فالأنظمة التعليمية لا تعلم الناس كيفية التفكير بطرق مجدية، كما أن الذكاء لا يخول لمن امتازوا به التفكير دائما بأسلوب فعال وفي جميع المجالات.

وأوضحوا أن خيار الاعتماد على الأشخاص الأذكياء في إدارة المشاريع قد يبدو نظريا صائبا، ولكن العائدات والنتائج لن تكون في جميع الحالات محمودة.

وأكدوا أن معدل الذكاء المرتفع عند البعض لا يمكنهم من اكتشاف الطريق الموصل إلى الثروة، وقد لا يحميهم مستقبلا من المعاناة بسبب الأزمات المالية، فيما يمكن لبعض الأشخاص العاديين أو حتى الذين اتصفوا في صغرهم بالحمقى بلوغ الشهرة وامتلاك أموال طائلة.

وعلى الرغم من أن أبحاثا سابقة زعمت أن الأثرياء فئة من الأشخاص الأكثر ذكاء، لكن جاي زاغورسكي الباحث بجامعة أوهايو يرى أن “الناس لا يصبحون أغنياء فقط لأنهم أذكياء”.

وقال في هذا الصدد “بعض الدراسات تجد رابطا بين معدل الذكاء والدخل لكن دراستنا تتعدى مسألة الدخل لتبحث في العلاقة بين الذكاء والثراء والمصاعب المالية”.

20 بالمئة فقط من معدل الذكاء اللغوي والمنطقي يكتسب من المؤسسات التعليمية

وأضاف “مستواك في اختبار الذكاء لا علاقة له بحالتك المادية.. أن تكون ذكيا جدا فذلك لا يعني أنك محصن من الوقوع في صعوبات مالية”. وأشار إلى أن الأشخاص الأذكياء بإمكانهم تحقيق دخل كبير، إلا أنهم ليسوا أفضل في إدارة أموالهم، وهم عرضة كغيرهم للوقوع في الأزمات. وأكد أن الذين لديهم معدل ذكاء متوسط أو ما دون ذلك يملكون نفس الحظوظ في الحياة تماما كما الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى ذكاء مرتفع.

وقد برهنت على ذلك دراسة طويلة المدى أجراها لويس تيرمان، الباحث في علم النفس التربوي بجامعة ستانفورد، على 1528 طفلا في كاليفورنيا ممن حققوا نتائج مبهرة في اختبار “ستانفورد- بينيه للذكاء”.

وهو أول اختبار للذكاء أعدَّه عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيه، وقد كان هدفه الرئيسي تحديد الطلاب الذين يحتاجون إلى مساعدة خاصة في مناهجهم الدراسية. وقد مرَّ الاختبار بمراحل متعددة، وظهرت عليه تعديلات مختلفة قام بها بينيه بنفسه عام 1908 و1911.

وفي عشرينات القرن الماضي قام تيرمان بدراسة عبقرية الأطفال الموهوبين لفترة طويلة من حياته، وقد كان قبل إجرائه الاختبار مقتنعا بأن معدلات الذكاء هي مفتاح النجاح في الحياة لاحقا، لكن النتائج التي توصل إليها كانت مثيرة للدهشة.

وعندما ركَّز تيرمان على اختبار حاصل الذكاء، استبعد أطفالا مثل لويس ألفاريز وويليام شوكلي، اللذين لم يكونا من الأطفال النابغين ولكنهما تمكَنا من الفوز بجائزة نوبل في الفيزياء عند كبرهما.

الذكاء لا يحصن ضد الأزمات المالية، فيما يمكن للبعض الذين اتصفوا في صغرهم بالحمقى امتلاك أموال طائلة

واتصف الأطفال الذين أجرى عليهم التجربة بمعدل ذكاء يصل إلى 147 في المتوسط، لكن قرابة ربعهم انتهى بهم الحال إلى العمل في وظائف بسيطة، إذ أصبحوا موظفين أو ضباط شرطة أو مندوبي مبيعات أو حرفيين.

والمدهش في ذلك أن لا أحد من الأطفال الذين تميزوا في صغرهم بالعبقرية قد قام بمشروع رائد، ولم يصبحوا من أصحاب الثروات، ولذلك اضطُرَّ تيرمان بعد 20 عاما إلى الاعتراف بأن “الذكاء والنجاح في الحياة لا تجمعهما علاقة ارتباط”.

وقد أثبتت أبحاث حديثة أن الأشخاص لا يكتسبون من المؤسسات التعليمية سوى 20 بالمئة من معدل الذكاء اللغوي والمنطقي الذي يخول لهم النجاح في الحياة، فيما يمتلكون النسبة المتبقية والتي هي 80 بالمئة من عوامل أخرى بعيدة كل البعد عن الدراسة.

ويرى عالم النفس البريطاني مايكل هاو من جامعة اسيكس أن السر الحقيقي للعبقرية يكمن في العمل الدؤوب وليس في الموهبة الفكرية المتأصلة، مناقضا بذلك الفكرة القائلة بأن الأذكياء يتميزون بالنبوغ الفكري منذ الصغر. وأعلن خلال المؤتمر السنوي لجمعية علماء النفس البريطانيين أن هناك الكثير مما هو مشترك بين العباقرة والأشخاص العاديين رغم ما يتصف به العباقرة من قدرات علمية أو إبداعية استثنائية، مشيرا إلى أن “الإنجازات الإبداعية الحقيقية تعتمد على المثابرة على امتداد فترات طويلة وليس على مهارات طفولة نابغة”.

وأوضح قائلا “لا نستطيع أن نكون جميعا عباقرة ولكننا نستطيع أن نتعلم منهم”.

وأكد أن أكبر العقول التي عرفها العالم تعين عليها أن تكافح وتصارع من أجل تحقيق أهدافها، مشيرا إلى أن الكثيرين كانوا يعتقدون أن عالم الفيزياء ألبرت أنشتاين كان فاشلا في المدرسة، ولكن آداءه كان في الحقيقة متفوقا على الدوام.

21