الطريق إلى الدولة المدنية مفتوح في السودان

إلغاء حد الردة وتقييد الإعدام أولى خطوات الثورة التشريعية.
الاثنين 2020/07/13
عهد جديد

أقدم السودان على تعديلات قانونية جريئة عبر إلغاء حد الردة وتقييد الإعدام، في خطوة تعكس رغبة حكومة عبدالله حمدوك في استرضاء الشارع بطمأنته على مصير مدنية الدولة واستكماله أهداف ثورة ديسمبر وإيفائه بالوعود. كما يوجه من  خلال هذه الثورة التشريعية رسائل إلى الخارج تهدف إلى تحسين صورة البلد وتؤكد مضيه في إرساء تحول ديمقراطي حقيقي.

 الخرطوم – أوقفت القوانين التي أقرها مجلس السيادة السوداني، الجمعة، وثمّنها رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، السبت، الجدل حول مصير مدنية الدولة، لأنها ترمي إلى إصلاح المنظومة العدلية وتدخل تعديلات على قوانين الحريات العامة في البلاد وألغت حد الردة، ووضعت قيوداً على تطبيق حكم الإعدام، بعد أن طالت مواد حدت من قدر المرأة وكرامتها، وهي التي شاركت بفاعلية في إنجاح ثورة ديسمبر.

وتقطع القوانين الجديدة صلات السودان بنظام الإنقاذ الذي عمد إلى تدشين دولة مفصلة على مقاس تيار الإسلام السياسي، في خطوة تدفع نحو مزيد من إجراءات التحول نحو بناء دولة مدنية حديثة.

وبدت السلطة الانتقالية أكثر إدراكاً بأن نجاح التحول الديمقراطي سيكون مقترنا بمنظومة قانونية تساير تطورات المجتمع الذي لفظ الحركة الإسلامية.

وشملت القوانين تجريم ختان الإناث والإقرار بحق المرأة في اصطحاب أطفالها في حال السفر خارج السودان، وإلغاء المادة الخاصة بالزي الفاضح، ومنعت التعديلات الجديدة تطبيق حكم الإعدام على من لم يبلغ سن الثامنة عشرة من عمره، واستثنت أيضا من بلغ سن السبعين من حكم الإعدام، فيما عدا جرائم الحدود والقصاص والجرائم الموجهة ضد الدولة وجرائم المال العام.

وأقر الفريق أول عبدالفتاح البرهان تعديلات على قوانين مكافحة جرائم المعلوماتية وشدد العقوبات الخاصة بحماية حقوق المستخدم والحفاظ علي الخصوصية ومنع انتشار الشائعات والنشر الضار، كما ضاعف من عقوبة انتحال شخصية الغير بالسجن عشر سنوات كحد أعلى بدلاً عن ستة أشهر.

ووصف حمدوك إجازة القوانين وتمرير التعديلات الجديدة التي دفعت بها وزارة العدل بأنها خطوة هامة في طريق إصلاح المنظومة العدلية، وأن حكومته سوف تستمر في المراجعات حتى تكمل معالجة التشوهات في النظم القانونية في السودان.

تحول ديمقراطي

منظومة قانونية تساير تطورات المجتمع ومطالبه
منظومة قانونية تساير تطورات المجتمع ومطالبه

يرى مراقبون أن القوانين الجديدة تأتي ضمن حزمة قرارات وعد حمدوك باتخاذها خلال مدة أسبوعين من تظاهرات الـ30 من يونيو بعد أن طالت حكومته انتقادات واسعة جراء بطء اتخاذ القرارات الخاصة بمدنية الدولة التي تعد جزءاً أساسياً ضمن مبادئ الوثيقة الدستورية، وأحد أوجه التغيير التي طالبت بها الثورة.

ويصعب الفصل بين الإقدام على هذه التعديلات في هذا التوقيت وبين تطورات مفاوضات السلام، في ظل سعي السلطة الانتقالية لانضمام أكبر قدر من الحركات ليقع تمثيلها في الاتفاق الشامل المنتظر، وأن مطلب فصل الدين عن الدولة أحد مطالب “الحركة الشعبية شمال” بقيادة عبدالعزيز الحلو الذي انخرط مؤخراً في المباحثات. وسعت الحكومة لضرب أكثر من عصفور بحجر التعديلات، حيث حظيت برضاء واسع في الداخل عبر المكونات الثورية والحركات المسلحة، وبعثت برسائل للخارج تفيد أنها ماضية في بناء دولة ديمقراطية مدنية لكنها تحتاج إلى الدعم لتجاوز أوضاعها الصعبة.

وأسهمت القرارات القضائية التي اتخذتها السلطة الانتقالية في شهر نوفمبر الماضي في تحسين صورتها الخارجية وقوبلت بترحيب دولي واسع، لكنه اقترن بمطالبتها للمضي قدماً في إلغاء باقي القوانين التي تحد من الحريات، وهو أمر يسير بصورة سريعة حال جرى التوافق على تشكيل المجلس التشريعي الذي يتولى مسألة تعديل القوانين. وألغت الحكومة السودانية نهاية العام الماضي قانون “النظام العام والآداب العامة” الذي كان يتيح جلد العديد من النساء أو سجنهنّ لشتى الأسباب مثل ارتداء ملابس “فاضحة” أو استهلاك الكحول.

وأكّد عضو الجبهة الديمقراطية للمحامين، نصرالدين يوسف، أن التعديلات تتفق مع التحول الديمقراطي الحاصل، وتتماشى مع مقتضيات الوثيقة الدستورية ومطالبات ثورة ديسمبر وشعاراتها التي ركزت على إصلاح البنية التشريعية في البلاد. وأضاف لـ”العرب” أن الحكومة عمدت إلى مراعاة تعديل القانون الجنائي عبر إلغاء المواد التي تكرس لاضطهاد المرأة والتضييق على حرية الاعتقاد، لأن تلك القوانين هدفت بالأساس إلى حماية حكم عمر البشير وتكريس نظامه، وهو الذي وضع قوانين مذلة للإنسان ساعدت سلطته القمعية والاستبدادية على التحكم في الشعب.

وتضمنت التعديلات التي أقرها مجلس السيادة إلغاء المادة “125” من القانون الجنائي السوداني الخاصة بتجريم الزيّ الفاضح، وإلغاء المادة “126” الخاصة بحدّ الردة، واستحداث مادة جديدة تجرّم التكفير وتضع عقوبات على من يعلن تكفير شخص أو طائفة أو مجموعة بالسجن لعشر سنوات أو بالغرامة أو العقوبتين معاً، إلى جانب استحداث مادة تحمل رقم “141” خاصة بتجريم ختان الإناث بكل أنواعه وعقوبة كل من يرتكبه بالسجن لثلاث سنوات بالإضافة إلى توقيع غرامة مالية.

تعديلات جريئة

تحول ديمقراطي حقيقي
تحول ديمقراطي حقيقي

يعتقد المجتمع المدني أن هناك رغبة جادة من السلطة الانتقالية لإنشاء دولة مدنية يتمتع فيها المواطن بكافة حقوقه الأساسية، لكنهم في الوقت ذاته لديهم تحفّظات على السير ببطء نحو هذا التحول، ويعتقدون أن الأمر يخضع لطريقة إدارة البلاد التي تعاني تأخراً في ملفات عديدة على رأسها ملف السلام وتدشين المنظومة التشريعية.

ويذهب البعض من المراقبين للتأكيد على أن قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية التي أقرها المجلس الانتقالي مقدمة لتسريع محاكمات رموز نظام البشير، وتنهي ثقافة الإفلات من العقاب التي كانت سائدة في عهده، عبر تأسيس إطار قانوني يتناسب مع التغيير السياسي الذي شهدته البلاد.

واعتبرت رئيسية تحرير صحيفة “الميدان” السودانية إيمان عثمان التعديلات الجديدة بداية لإحداث ثروة تشريعية على قوانين عديدة مازالت قائمة وتقيد الحريات، وأن الفترة المقبلة سوف تكون بحاجة إلى إجراءات سريعة وأكثر حسماً للتعامل مع قوانين الأحوال الشخصية التي من الواجب إلغاؤها بالكامل وإعداد أخرى بدلا منها.

وأوضحت لـ”العرب” أن القوانين المرتبطة بتنظيم الإعلام بحاجة إلى تعديلات تعالج العيوب الحالية في قوانين الصحافة والمطبوعات، بما يضمن حرية الصحافيين ووسائل الإعلام المختلفة لتكون بالتوازي مع تلك التي أقرتها السلطة الانتقالية بشأن النشر الإلكتروني الذي يحمي حرية المواطنين في الوصول إلى معلومات صحيحة.

وخلصت إلى أن “المضي قدما لتأسيس دولة مدنية يقترن بإقرار السلام الشامل غير المنقوص، حيث يشمل جميع الحركات المسلحة في الهامش، وأن وجود أيّ ثقوب في هذا الملف يهدد جميع المكتسبات التي حققتها الثورة السودانية حتى الآن”.

6