الطريق إلى الديمقراطية يمر عبر خلق توازن سياسي

الجمعة 2014/10/24
هل تخرج تونس في نهاية عرسها الانتخابي بمؤشرات إيجابية لبداية عهد جديد من الديمقراطية

تونس – أصدر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية مؤخرا مذكرة سياسة عامة بعنوان “الانتخابات في تونس وتعزيز الديمقراطية”، يتناول فيها معدّها أنطوني دوركين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني الراهن في تونس وعلاقته بالعملية السياسية في اتجاه الانتقال الديمقراطي. كما يقترح ما يتعين على الاتحاد الأوروبي فعله من أجل إنجاح المشروع السياسي التونسي ليكون مثالا ملهما لدول الشرق الأوسط في اعتماد النظام الديمقراطي.

تونس على أبواب تنظيم أول انتخابات تشريعية وانتخابات أخرى رئاسية بعد قرابة أربع سنوات من الاحتجاجات التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي سنة 2011. وبعد المصادقة على الدستور في بداية هذه السنة ستنظم الانتخابات التشريعية في 26 أكتوبر وتتبعها انتخابات رئاسية على دورتين في نوفمبر وديسمبر. وتبقى تونس هي البلد الوحيد في العالم العربي الذي يمكن أن تتحقق فيه تطلعات الانتفاضات العربية في المستقبل القريب.

حتى وإن لم يلهم النموذج التونسي أي أتباع في المنطقة سيكون نجاح نظام ديمقراطي في البلد إشارة قوية على أن الإصلاح والتعددية السياسية ليس محكوما عليهما بالفشل في العالم العربي. لذا من مصلحة الاتحاد الأوروبي أن يفعل كل ما في وسعه لضمان النجاح في تونس التي تمكّنت من تجاوز سلسلة من المصاعب والأزمات، لكن حتى تتدعم الديمقراطية تحتاج إلى اتخاذ خطوتين اثنتين: في المدى القصير عليها خلق توازن سياسي ما بعد الانتخابات يسمح للحكومة بمعالجة المشاكل الأمنية والاقتصادية الملحة. والأهم من ذلك سيحدد التحدي الأكبر للإصلاح المنهجي في آخر المطاف مدى إحساس التونسيين بأن الديمقراطية حققت الفرص والكرامة والعدالة الاجتماعية التي رفعت شعارها الثورة.


الانتخابات وما بعدها


اتسمت التجربة الأولى التي خاضتها تونس المتعلقة بحكومة منتخبة بصفة مباشرة بالاضطراب. فقد منحت انتخابات 2011 المرتبة الأولى في المجلس التأسيسي لحركة النهضة الإسلامية فكونت حكومة ترويكا مع حزبين من اليسار الوسطي وهما التكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية. لكن بعد اغتيال السياسيين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي ونشوب أزمة سياسية في السنة الماضية دخلت الحركة الإسلامية حوارا وطنيا مع أحزاب المعارضة ووافقت على تسليم السلطة إلى حكومة تكنوقراط في بداية سنة 2014.

مع انطلاق عملية الاقتراع، في الخارج، واقتراب موعدها داخل تونس، هناك سؤال ملح يطرح نفسه حول قدرة البلاد على إيجاد توزيع للسلطة السياسية يكون أكثر استقرارا وفاعلية من المرة السابقة. الدستور التونسي الجديد يؤسس لنظام مخضرم يتقاسم السلطة فيه البرلمان والرئيس، لكن تبقى الانتخابات البرلمانية أكثر أهمية من الرئاسية بالنسبة إلى توجه البلد في المستقبل بما أن حزب الأغلبية هو من يعين رئيس الوزراء ويحاول تشكيل حكومة يمكنها أن تكسب أغلبية الأصوات في البرلمان. رغم ذلك يظهر أن الكثير من الأحزاب السياسية أعطت أكثر أهمية للانتخابات الرئاسية من إعداد حملة انتخابية برلمانية في كل أنحاء البلاد.

يتعين على الحكومة المقبلة أن تخلق فرص عمل للشبان العاطلين والذين مازالوا ينتظرون جني ثمار الحرية والديمقراطية


ماهي الأولويات الملحة


تجمع مختلف الأطياف السياسية على أن الأولويات الأكثر إلحاحا في الفترة القادمة هي: تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد والتعامل مع التهديدات للأمن الوطني.

* الاقتصاد : كانت المطالب الاقتصادية في صميم الثورة في سنة 2011، لكن منذ ذلك التاريخ تدهور الوضع الاقتصادي إذ لم يتجاوز النمو لسنة 2013 نسبة 2.3 بالمئة ويتوقع أن يكون النمو لهذه السنة في المستوى نفسه، وهي نسبة أقل بكثير مما تحقق قبل الثورة وغير كافية لخلق الوظائف التي يحتاجها المواطنون. كما يبقى العجز الجبائي وعجز الحساب الجاري مرتفعين، إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة لتصل إلى 15.2 بالمئة في الثلاثية الأولى من سنة 2014 (مقارنة مع 13 بالمئة قبل الثورة) وكان من الممكن أن تكون أكبر لولا زيادة التشغيل في القطاع العمومي الذي لا يمكن الاستمرار فيه على المدى البعيد. بالإضافة إلى ذلك 33 بالمئة من الشباب التونسيين بين سن الـ15 و29 سنة ليسوا في ميدان العمل ولا الدراسة ولا التدريب المهني.

الوضع الاقتصادي في تونس ليس كارثيا أوعلى حافة الانهيار لكنه يبعث على القلق حسب وزير مالية سابق. لذا يتوجب على الحكومة المقبلة أن تتخذ خطوات إضافية للمحافظة على استقرار الأموال العمومية بما في ذلك عبر المزيد من تخفيض الدعم وتقليص رواتب القطاع العام وتشجيع الاستثمار والشراكة بواسطة مراجعة قوانين الأعمال. وعلى الحكومة أن تتجاوز المقاومة من نخب الأعمال التي تستفيد من هذه القوانين كما يجب أن تساعد الفئات الاجتماعية المتضررة من هذه الإصلاحات. لكن حسب المحللين السياسيين التونسيين يجب أن تحظى هذه السياسة بدعم من أغلبية الأحزاب السياسية إضافة إلى اتحاد الشغل المتنفذ.

2.3 بالمئة نسبة النمو الاقتصادي في تونس لسنة 2013

* الأمن: على المستوى الأمني كاد العنف السياسي في سنة 2013 ينحرف بالانتقال الديمقراطي في تونس عن مساره، ومنذ ذلك الوقت استعادت قوات الأمن سيطرتها لكن يبقى الوضع الأمني هشا. وتتركز أهم المخاطر وسط البلاد بالقرب من جبل الشعانبي على الحدود الجزائرية.

ويذكر أن الفوضى السائدة في ليبيا فاقمت من مشكل الأسلحة والإرهابيين الذين يعبرون إلى داخل تونس عبر الحدود الممتدة بين البلدين. وفي ذات الوقت يعتقد أن قرابة ثلاثة آلاف تونسي سافروا للقتال في سوريا والعراق مع المجموعات الجهادية؛ وتخشى الحكومة أن يعمق العائدون منهم زعزعة الوضع. وتدعي علمها ببضعة مئات من المقاتلين الذين عادوا من سوريا.

يقر المحللون التونسيون أن هذا النوع من العنف “المستجد” في تونس مشكل معقد لم تفهمه قوات الأمن جيدا ويحتاج إلى مجهود واسع النطاق من أجل مجابهته. وفي المدى البعيد من المحتمل أن تتضمن محاربة التطرف معالجة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي وإعادة السيطرة على الفضاء الديني.


اقرأ أيضا في العرب:


الاقتصاد في البرامج الانتخابية وعود غير واقعية



هل تتحالف النهضة مع النداء


كيف تجرى الانتخابات التشريعية في تونس


شبهات التزوير والمال السياسي تهدد المسار الانتخابي في تونس

6