الطريق إلى الكوفة كحد السكين لكن إزار أمي أزرق

تعدّ تجربة الشاعر والقاص العراقي فرات صالح الشعرية من التجارب المميزة، التي تضعه في مكانة خاصة من جيل التسعينات الشعري، الذي يمثل جيلا متميزا في الشعرية العراقية لما قدمه من تجارب في قصيدة النثر العراقية، التي كانت - وفق آراء نقدية كثيرة- ردّ فعل على القصيدة الكلاسيكية، التي اندفع معظم شعرائها في مديح الحرب ومشعليها أيام الثمانينات المأساوية.
الثلاثاء 2015/06/02
الشاعر يعلن القطيعة مع الحرب وأهوالها ومع نداءات الحياة وقذارتها

كانت قصيدة النثر في فترة التسعينات فضاء مفتوحا للتجارب الشعرية الشابة العراقية التي وجدتها أداة صالحة للتخلص من المنبريات الصاخبة آنذاك، وأيضا للتعبير عن الذات المنكسرة والرافضة بلغة ومجازات مبتكرة، وملغزة تجعل فهمها عصيا على الرقابة والوشاة من الشعراء المقربين من السلطة الحاكمة.

في تلك الفترة نشر الشاعر فرات صالح نصوصه القصصية والشعرية، وانتمى إلى أحد المراكز الثقافية الشبابية في البصرة التي كانت السلطة ترعاها في ذلك الوقت، تسترا على نشاطاته ونشاط مجموعة من الشباب، الأمر الذي وضعه تحت أنظار وعنف السلطة التي وضعته مع مجموعة من الأدباء الشباب البصريين في معتقل الرضوانية المعروف بقسوة المشرفين عليه.

أقدار الآخر

تمثل تجربة الشاعر فرات صالح في مجموعته الثانية “غيوم تكركر”، الصادرة عن دار “العالم للنشر والطباعة” (2015) انفتاح الذات الشاعرة على قارعة الطرق والأزقة والبيوت الواطئة، تستلهم منها حكاياتها وجروحها وآلامها وحتى تطلعاتها البسيطة، وينحسر ضمير الأنا عن معظم قصائدها، تاركا المجال لسيادة ضمير الغائب، الذي يؤثث ويكشف أقدار الآخرين وهمومهم وتطلعاتهم وحكاياتهم. يقول فرات صالح “بيوتهم من صفيح، لكن ضحكاتهم دافئة/ يرقعون بالحكايات أغطيتهم المهلهلة”.

إنه ينشد لهؤلاء الذين “يبالغون في الحشمة فيكويهم الفقر” والذين يصطحبون أحلامهم “ليواجهوا المدرعات بياقات مفتوحة”، يستثمر حكاياتهم الضاربة في القدم، وتفاصيل حياتهم المعاصرة، فيجدهم في عمق المشهد المأساوي، يعيشون على فتات الحياة وهامشها “كان الطريق كحد السيف وكنا حفاة/ في مجاميع نسير، وفرادى/ منذ قرون نسير ولا نصل”.

تبنى الجمل الشعرية في هذا الديوان بناء سرديا ومشهديا، كلما أراد الشاعر تجسيد الكتل البشرية أو المجموعات ضمن مشهد واحد، مستثمرا السرد الشعري المكثف في إدارة الحركة وتنوّع المشاهد الشعرية، وانعطاف الزمن نحو الماضي البعيد أو الحاضر المشخص.

ففي قصيدته المشهدية “في الطريق إلى الكوفة” يصبح المكان بمنأى عن السائرين إليه “حتى كأن الكوفة غابت”، لكن وجهة النظر تعتني بتجسيد التجمعات البشرية غير المتجانسة المتجهة نحو فضاء غير محدّد سوى الاسم “الكوفة” فهم “سنة ومسيحيون وصابئة وموظفو دولة وغجر… كنا جمعا وقلوبنا لم تكن شتى، وكنا في مسيرنا نحلم ونغني”.

في مقابل ذلك كان طريق الكوفة “كحدّ السكين”، يكتظ بالمخبرين ورجال الأمن والشرطة “حرسا جمهوريا واستخبارات ونواطير وفدائيين” وفي مثل هذه المشاهد البانورامية، التي تجسدها لغة يومية خالية من المحسنات اللفظية، تتألق فجأة جملة شعرية تتخطى هذه اللغة المألوفة “وكان النشيد غيمة فوق رؤوسنا المغبرة/ يقودنا كمزمار مسحور”.

الشاعر ينشد للذين يبالغون في الحشمة فيكويهم الفقر، وللذين يصطحبون أحلامهم لمواجهة المدرعات بياقات مفتوحة

عالم الحكايات البهيج

تقبع الحكايات في قاع الذاكرة، ملونة ودافئة، تعيش في عالم صاف يحميها من الانقراض، يحفظ ألقها ونشوة أيامها الأليفة، لكنها حين تنهض من جديد في عالم الشاعر المكتظ بالكوابيس، وحفلات الموت المجاني في حروبنا التي لا تنتهي، فإنها تتخذ لها نسقا آخر محملا بتشظيات الذات ونكوصها وبحثها الدائم عن أمان وسلام مفتقدين، فتصبح “نظارات جدتي” الحكاية الساخرة بنسيان الجدة نظارتها على رأسها، تصبح في القصيدة “معلقة في السقف كقنديل مطفأ تنز دما كلما حركتها الريح” تبحث الجدة في تفاصيلها عن نهاية يعود فيها أبناؤها وأحفادها من الأرض الحرام أو الشتات ولكنها قبل أن تغفو لتنام ترى أحفادها في المنافي وقد أصبحوا “محض طوابع″ وفي الأرض الحرام “أقراصا وسلاسل”.

والشاعر يصوغ من مفردة “إزار أمي أزرق” من القراءة الخلدونية للصف الأول الابتدائي وحكايات القراءة العربية للصف الثاني، الذي اشترك في تأليفها علي جواد الطاهر والشاعر باقر سماكة والمربي المعروف جاسم الحسون، تداعيات الذات لتسرد قصص “فاضل يطير” و”خالد في الغابة” و”الدجاجة السوداء والكلب الصغير” بانتزاعها من بيئتها البريئة وإعادة إنتاجها في عالم الحروب والمتفجرات والقتل اليومي، ليطير فاضل “كل أربعاء بانفجار جديد” وليكون خالد “ليس وحيدا”، أما الدجاجة السوداء فتفترس “الكلب الصغير أمام أنظار التلاميذ في الثاني -أ-“.

خارطة الذات

هناك قصائد محدودة بضمير الأنا، مكرسة لمكابدات الذات، وهي تستشرف بوعيها عالم الآخر بكل دناءته وشروره، وأيضا لرسم خارطة مفارقة لحياة فيها أمل وتطلع نحو أفق جديد، ففي قصيدة “أحزان الموالي” المهداة إلى أبيه، يتأمل الشاعر مسيرة جموع الناس وهي تعيش أحزانها “جراديغ مهجورة، وطفل يبحث عن بقايا قراءته، قطارات لا تمرّ ومحطات هائمة، دائرة من بكاء النايات، وقطعة من الطباشير تلوذ بزاوية الصف”، والقصيدة إذ ترسم مشهدا عاما ينتهي بقطعة من الطباشير، استئذانا بالانتقال إلى الذاتي والشخصي، مأساة الشاعر بأبيه المعلم والمربي الذي قتل في القصف العشوائي أيام الحرب العراقية الإيرانية “تقرع قامة النهار الأصلع لتتوقف عند الساعة السابعة، دم يتخثر على جسد الحائط”.

ويعمد الشاعر إلى تكثيف عالمه ووجهات نظره في عالمه المشاكس في قصيدته “خفيفا مثل طائر” التي يعدّد فيها عزوفه عن الأصدقاء “سوى شجرة” والأعداء الذين لا يراهم فلم “يغد أرضيا بما يكفي”، وهو غير معني باقتناء السيارات ولا “بالبكاء أو الضحك” فهو لا همّ له “سوى إعادة الناي إلى الأغنية، ويحمل غيمته أنّى مشى وتحمله”.

بهذا المعنى يعلن الشاعر القطيعة مع الحرب وأهوالها، مع نداءات الحياة وقذارتها، وتحكّم الرغبات الأنانية والجشع في الذات، كي ينتمي إلى أحلام الشعراء البصريين الذين سبقوه: السياب وسعدي يوسف والبريكان وكريم كاصد والحجاج، وغيرهم ممن أسسوا خارطة الحلم الآتي.

14