الطريق إلى الموت بين شيكاو والبغدادي

السبت 2015/02/14
شيكاو سفاح داعش أفريقيا

عندما انتشر الدين الإسلامي في أفريقيا وامتدادها الجغرافي، اتَّخذ طابعا صوفيا عبر العديد من المدارس التي امتدت من خلال الزوايا الدينية في مختلف مدن القارّة السمراء، وتذكر أغلب كتب التاريخ أنَّ الأفارقة كانوا يمارسون طقوسهم الدينية بهدوء واعتدال وسلام، ولكن مع نتيجة الحرب في أفغانستان وانتشار الفكر المتشدِّد حول الكثير من دول العالم، فإن أفريقيا لم تعد بعيدة عن هذا الزلزال، وكان له ارتداداته عليها، حيث نشأت جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد في نيجيريا، لتصبح فيما بعد تحت اسم “بوكو حرام” في تركيب مشتق من كلمتين “بوكو” التي تعني كتاب، و”حرام” التي تعني مقدّس، وفي رسالة تعلن العداء المُطلق للتعليم الغربي، متحولة إلى الخلافة الإسلامية بعد إعلان زعيمها أبو بكر شيكاو مبايعة أبا بكر البغدادي.


انتشار التطرف في أفريقيا


بنظرة تاريخية سريعة نجد أنَّ الفكر الراديكالي في نيجيريا بدأ بالانتشار مطلع العام 2004 على يد محمد يوسف الذي اتَّخذ من كناما في ولاية يوبه الشمالية في نيجيريا، مركزا له، ليُعلِنَ منها عن انطلاق جماعة أهل السنة والجهاد لتطبيق الشريعة الإسلامية ومحاربة التعليم الغربي بكل وسائله، ليجمع تحت لوائها أغلب العاطلين عن العمل في تلك المناطق الضعيفة تنمويَّا واجتماعيا واقتصاديا ناشرا بين مؤيِّديه أنَّ هذه الحربُ سوف تمتدُّ لزمن طويل، وفي نهاية التسعينات تقريبا، التحق بهذه الحركةِ رجلٌ سيكونُ أحد أخطر إرهابيي العالم، حيث تضعُ الولايات المتحدة الأميركية سبعةُ ملايين دولار لمن يدلُّ على مكانهِ أو يُدلي بمعلوماتٍ تؤدِّي إلى اعتقاله.

هذا الرجل هو أبو بكر شيكاو الذي يُعتَقَدُ أنَّهُ وُلِدَ في نهاية ستينات القرن الماضي ليعيشَ في بيئةٍ هشَّة وضعيفة أمنيا وقابلة للانجرار خلف أي محتوى مُعلَّب يتم تقديمُهُ، فكان مٌعلِّمُهُ محمد يوسف مثالا له رغم أنّ شيكاو كان يصف يوسف بالمتسامح والمُعتَدل، ومنذ عام 2004 تزعَّم يوسف الحركةَ التي أسَّسها إلى أن أُلقيَ القبضُ عليه وأُعدِمَ عام 2009 على يد الشرطة النيجيرية ليتولَّى قيادة الجماعة أبو بكر شيكاو.

الزعيم الجديد لبوكو حرام كان واضحا في طرحهِ ومنهجِهِ حين قال إنَّه يحبُّ تنفيذ القتل بما أمرَ اللهُ كما يحبُّ قتل الدجاج والأغنام، ولهذا نلاحظ أن بوكو حرام أخذت طابعا دمويَّا مُتطرِّفا منذ استلام شيكاو زمام القيادة فيها، فبدأت باستهداف أماكن العبادة والمدنيين حتى عام 2011 حيث قام شيكاو بالإشراف على تنفيذ الهجوم على مقر الأمم المتحدة في أبوجا، العاصمة الفيدرالية لنيجيريا، وهو بذلك نقل الحركةَ إلى تنفيذ عمليّات نوعية أشاعت انضمام الحركة الصغيرة إلى تنظيم عالمي يساعدها ويدير شؤونها.

أبو بكر شيكاو الذي يغلب عليه عدم التوازن في أغلب ظهوره المُسجَّل، فنراه مرة يضحك دون سبب ومرَّة أخرى يُطلِق وعودا غير قابلة للتحقيق أو أخرى مثيرة للسخرية، عندما هدّد بقتل رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة مارغريت تاتشر أو بابا الفاتيكان الراحل أيضا يوحنا بولص الثاني.

بعد إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام من قبل أبو بكر البغدادي، سارع أبو بكر شيكاو في نهاية الشهر الثامن من العام 2014 إلى إعلان قيام الدولة الإسلامية في نيجيريا في تقليد ومحاكاة لفعل داعش في سوريا والعراق


سفاح أفريقـيا


يُعرَف أبو بكر شيكاو زعيم حركة بوكو حرام بسفّاح أفريقيا لمسؤوليته المباشرة عن قتل أكثر من أحد عشر ألف ضحيّة كما تقول التقارير الحقوقية، فضلا عن خطفِهِ لما يقارب من مائتي طالبة مدرسية، شيكاو يظهر على طريقة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي وأبو بكر البغدادي بتسجيلات غيرُ معروف مكانها الجغرافي، ولكن الفارق الوحيد أنَّه يترك انطباعا لدى المتلقّي بتناوله مُخدِّرا قبل التسجيل وخاصة عندما قال إنَّ الله أخبره أن يخطف الفتيات ويبيعهنَّ.

عدّةُ رسائلَ مُصوّرة لشيكاو عبر الشبكة العنكبوتية القاسمُ المُشترك بينها جميعا، خلا أنّها مُضحِكة، هو استخدام السلاح لتطبيق الشريعة، متناسيا أنّ الإسلام انتشر في أراضي القارة السمراء عبر التُّجَّار العرب وليس بحدِّ السيف وقوَّةِ السلاح.

بعد إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام من قِبَل أبو بكر البغدادي الذي أصبح خليفة للمسلمين في الدولة الموعودة سارع أبو بكر شيكاو في نهاية الشهر الثامن من عام 2014 إلى إعلان قيام الدولة الإسلامية في نيجيريا في تقليد ومُحاكاة لفعل داعش في سوريا والعراق في خطوة خارجة عن التاريخ

والجغرافيا، فالأيديولوجية التي تقوم على رفض الديمقراطية وحُكم الناس للناس مرفوضة عند شيكاو كما البغدادي الذي يؤمن أنَّ الحكم شأنٌ من شؤون الله وحده.


داعش وبوكو حرام


ليست الجهة الشمالية جغرافيا هي التي جمَعَت تنظيم دولة العراق والشام الذي أقام دولتهُ في الشمال العراقي والسوري وحركة بوكو حرام التي أعلنت الخلافة الإسلامية والاحتكام إلى الشرع الإلهي في شمالِ نيجيريا بل يتعدّى الأمر أكثر من ذلك، بدءاً بالانفصال عن الواقع المشترك بين أبو بكر البغدادي وأبو بكر شيكاو، مرورا باستخدام السيارات المُفخَّخة وانتحاريِّيها، وصولا إلى الأيديولوجية ومنطلقاتها التي تقوم على إلغاء الآخر واستخدام كل الطرُق المُتاحة وغير المُتاحة لتحقيق السيطرة والوصول إلى السلطة دون الإغفال بالطبع تلك الأسماء الحركية ولثام الوجه وانتهاز الفرص المواتية لتحقيق الأهداف، فقد أثبتت الأحداث أنَّ أبو بكر شيكاو كأبي بكر البغدادي قادرٌ على اقتناص وخلق المواقف لخدمة حركته وربّما أبرزها اختطاف الفتيات الطالبات لمبادلتهم بأسرى للحركة في السجون النيجيرية.

ظروف نيجيريا مشابهة لظروف سوريا والعراق منذ إعلان تنظيم داعش دولة الخلافة في كلا البلدين، فالمناطق والمدن التي تسيطر عليها حركة بوكو حرام متاخمة جغرافيا للأماكن القريبة من تشاد والنيجر وهي مناطق يأتيها السلاح من مناطق النزاع في ليبيا بعد سقوط القذافي

ربَّما ظروف نيجيريا مشابهة لظروف سوريا والعراق منذ إعلان تنظيم داعش دولة الخلافة في كلا البلدين، فالمناطق والمدن التي تُسيطر عليها حركةُ بوكو حرام متاخمةٌ جغرافيا للأماكن القريبة بين تشاد والنيجر، وهي مناطق يأتيها السلاح الليبي من مناطق النزاع والصراع في ليبيا بعد سقوط القذافي، ومع ذلك، فإن الإعلان لشيكاو بقيام الدولة الإسلامية في نيجيريا تسرَّبَ قيامهُ بعقد صفقات السلاح لتأمين الدعم العسكري لمقاتليه في مقاربة لما يفعله عناصر التنظيم عبر الحدود التركية السورية والتركية العراقية!

سيرُ أبو بكر شيكاو على خطى أبي بكر البغدادي لم يقتصر على ما سبق بل واكَبَهُ بالتوسِّعِ والتمدّد عبر الحدود، فقام شيكاو بالسيطرة على مدينة باغا، في الغرب الكاميروني، في ضربةٍ استباقية للقوات المشتركة التي كان من المقرَّر أن تتَّخِذَ منها مقرَّا لتحرِّكاتها في حرب حركة بوكو حرام، في محاكاة للبغدادي وتنظيمهُ الذي سيطر على الموصل العراقية بعد الرقةّ السورية، ولا يترك مناسبة إلا يستخدمها للتهديد بنيَّتِهِ عبور الحدود باتجاه دول الجوار السوري، بل بلغ الحد بالبغدادي أن يعِدَ جنوده بالصلاة في روما خلال عام.

آلية الإجرام ونشر الإرهاب واحدةٌ عند الأصل والتابع في خطوات قد تكونُ متطابقة أو قُدِّرَ لها أن تكون كذلك من حيث الاختطاف وطلب الفدية واستهداف المدنيين والاعتماد على الفكر الجهادي والخطاب الإعلامي عبر الإنترنت مع الاحتفاظ بتطوِّر داعش إعلاميا في الخطاب والتنفيذ بمراحل كبيرة عن بوكو حرام، وهذا ظاهر في الصورة والمحتوى اللذين يتم تصديرهما إلى المٌتلقِّي.

مع تفشِّي الفكر المُتطرِّف في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية، سارع المجتمع الدولي إلى التعامل مع هذه الظاهرة في الشرق العربي من خلال ضربات جويَّة مُركَّزة تستهدف مراكز عناصره مع التأكيد على أنَّها حربٌ طويلةُ الأمد، أمّا في نيجيريا فقد أعلن الرئيس النيجيري مرارا الحرب على حركة بوكو حرام من أبوجا بل ذهب إلى باريس في قمة خماسية حضرها رؤساء تشاد والنيجر ونيجريا ومالي في ضيافة الرئيس الفرنسي وبحضور ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عُرفت فيما بعد باسم قمة باريس، التي تمَّ التأكيد فيها على ضرورة محاربة حركة بوكو حرام ولكن دون خطوات جديَّة على أرض الواقع في شمال نيجيريا.

الزعيم الجديد لبوكو حرام كان واضحا في طرحه ومنهجه حين قال إنه يحب تنفيذ القتل بما أمر الله تماماً مثل قتل الدجاج والأغنام، ولهذا فقد اتخذت بوكو حرام طابعا دمويا متطرفا منذ استلام شيكاو زمام قيادتها

تضاعف الضربات الجويّة لقوات التحالف في سوريا والعراق والتهديد بعمليَّة بريَّة واسعة لاستئصال عناصر تنظيم داعش من أماكن تواجدهم، خاصة بعد حادثة إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقا بالنار والتي أدَّت إلى هيجان شعبي في الشارع الإسلامي المعتدل ضد فكر داعش، لا بدَّ أنها ستؤدِّي إلى تحقيق تراجع واضح في أداء التنظيم عسكريا، وقد بدأت بوادره تظهر من خلال انشقاقات واسعة في صفوف التنظيم، فضلا عن الاختلاسات المالية الكبيرة التي تمَّ تسريبها بين قيادات التنظيم، ومثلما كان نهوض دولة العراق والشباب سببا في تشجُّع أبي بكر شيكاو لإعلان دولة الخلافة الإسلامية على الأراضي التي يسيطر عليها، سيكون تراجعها واضمحلالها نتيجة أيضا لتراجع الأخيرة، فبوكو حرام تابعة وليست أصلا وهي مفعول بها وليست فاعلة في الحدث.

أيضا من المفارقات الغريبة التي لا بدَّ من التوقُّف عندها غياب أصل كل من أبي بكر شيكاو وأبي بكر البغدادي وفقدان تفاصيل كثيرة من حياتهما وعدم معرفة مصادر التمويل التي تدعم بقاء الحركة والتنظيم اللذين يقودانه، مع اتفاقهما في أساليب الخطاب والإجرام والأهداف ومنابع الفكر والاستشهاد بالدليل واختلافهما في لون البشرة، فكان أبو بكر البغدادي النسخة ذات البشرة البيضاء لقيادة الخلافة في الشام والعراق وكان أبو بكر شيكاو الداعشيُّ الأسمر لقيادة حركة بوكو حرام في أكبر بلد أفريقي من حيث عدد السكان وثاني بلد أفريقي في عدد المواطنين من المسلمين، وبين الأبيض والأسمر تبقى جدليَّةُ اكتشاف طرق جديدة في الموت والخطف والتطرُّف، وليس بغير دلالة أن يطلق اسم “أبو بكر” على القائدين الدمويين للإشارة إلى أقصى التناقض الشيعي السني وإزكاء الفتنة عن سابق إصرار وترصّد.
12