الطريق إلى ستوكهولم

السبت 2015/09/12

في عصور الانحطاط التاريخي، تنوعت أساليب التعذيب الوحشي لضحايا السلطات القمعية فكانت أشدها فتكا تلك، التي تحاول إطالة عذاب الضحايا وأعمارهم إلى أقصى زمن ممكن ليطول معها زمن استمتاع الوحوش الآدمية التي تراقب المشهد عن كثب، باعتباره ضربا من التسلية المحببة ترافق أو تتبع تناول وجبات شهية من الطعام، ليخلد بعدها الناس إلى أسرّتهم الوثيرة بعد سكون آلام الضحية وتلاشي صوتها المعذب فيغلق عليهما معا، الضحية وعذابها، باب القبر المحكم.

لكن إبداع بعض (البشر) لا تحده حدود، وفي سجون العوالم المتحضرة هنالك دوما صرخات تعلو على كل أصوات الطبيعة مهما كانت حدتها وغضبها، صرخات ثابتة الجنان لا تعبأ بالنهايات وبإمكانها أن تحدث ضجة مستمرة حتى بعد موت الضحية؛ مثل رقبة دجاجة مذبوحة تمارس رقصها غير المهذب في بركة الدم الخاثر.

بعض صرخات اليوم لا تتقن فنون البوح وتفشل حتى في إصدار أصوات نشاز تحاكي حشرجات الأبواب القديمة التي يظنها الناس غناء رديئا، ولهذا فهي تتحلى بالصمت لتحمل معها فصولا مجنونة من العذاب الذي لا اسم له ولا لون، حتى تتلاشى معه في غيبوبة أو موت ابن غيبوبة.

هذه هي صرخات الألم المتأتية من التعذيب النفسي، وبحسب متخصصين في علم نفس البشر فإن هذا التعذيب يؤدي إلى تعطيل قدرة الإنسان على التعامل مع القضايا المعقدة، وتفضح عجزه عن مواجهة المواقف المحبطة، بسبب فقدانه الشعور بالأهمية وعدم قدرته على تغيير الواقع وانعدام الأمل بالمستقبل.

خرج التعذيب النفسي من أقبية السجون وانتشر في شوارع اليوم مرتديا ثياب الحرب والفاقة والموت واليأس، مثل مارد شعر بالضجر فجأة فراح يوزع عطاياه بالتساوي على الظهور المحنية بالقهر والقلوب المكلومة بالحزن، وصار يهبط بضربات سياطه على أجساد المارّة المشبعة بالهزيمة في صورة اضطهاد سياسي ونفسي. ولكن لا بأس، فقد أقرّ أهل العلم بأن جرعات قليلة من العذاب النفسي لا ضير منها طالما تركت أثرها الإيجابي في تحفيز إفراز هورمون الأدرينالين في الدم؛ فهو الذي يضع الجسد في موقف دفاعي؛ في استجابة سريعة ومباشرة لإشارات التهديد القابلة في حالات الخطر المحدق.

حتى إذا استمرت هذه الجرعات وتفاقمت، فإن الشخص المعرّض للتعذيب النفسي الممنهج سرعان ما يدخل إلى منطقة ضبابية من الإدراك، تعرضه فيها إلى قبول أي فكرة وإن كانت منافية للمنطق بعملية أشبه بغسيل الدماغ. تُعرف هذه الظاهرة النفسية المعقدة بمتلازمة ستوكهولم؛ وتتأتى نتيجة لفقدان الشخص الذي تعرض للتعذيب المستمر الشعور بوجوده لدرجة إظهار تعاطفه مع عدوه أو من أساء إليه كما قد يظهر بعض علامات الولاء له.

تنبع جذور ظاهرة “ستوكهولم” من حادثة وقعت في المدينة السويدية العام 1973، حين سطت مجموعة من اللصوص على بنك واتخذت بعض الموظفين رهائن لأيام طويلة، خلال تلك الفترة حقق الرهائن ارتباطا عاطفيا مع الجناة، حتى أنهم لم يترددوا في الدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم في ما بعد.

يظهر التأثير (الستوكهولمي) في الأنظمة القمعية التي تمارس سلطاتها المطلقة لمدة طويلة، ليطور من خلاله الأفراد علاقة خوف معينة من النظام يستسيغون معها القمع والذل لدرجة الخوف من أي تغيير يلوح في الأفق، فتجدهم يدافعون عن النظام القمعي ويذكرون محاسنه القليلة جدا من دون الالتفات إلى مظاهر الفساد الكثيرة. لم يجد علماء النفس لظاهرة “ستوكهولم” أي تبرير حتى اللحظة، لكن البعض يحاول الآن ركوب طريق المغامرة ليتأكد من صدق النوايا.

والطريق إلى ستوكهولم ليست ببعيدة، إنها المسافة بين جرح قديم وموت جديد.

21