الطريق إلى مرتفعات ويذرنج

الأحد 2014/05/04
الطريق إلى عالم الرواية مفعم بالحكايات والغرائب والجماليات

لربّما كانت رواية «مرتفعات ويذرنج» للبريطانيّة إميلي برونتي (1818 – 1848)، دافعي الأوّل للقيام بمغامرة المشي بالقرب من تلك المرتفعات في مروج يوركشير وسط بريطانيا، وبين أدغالها وجروفها، حيث رهبة الطبيعة تطغى على كلّ شيء وتجلّل المكان بالفتنة والعظَمة.

تذكّرت روايات تخلّد الأماكن التي تختارها مسرحاً لأحداثها، وتبرز سطوة المكان وتأثيره على الشخصيّات، حيث تنسج نوعاً من التماهي بين الطبيعة والبشر. تساءلت عن إمكانيّة اقتفاء آثار شخصيّات روائيّة على أرض الواقع، عمّا إذا كان ذلك رضوخاً لهيمنة الخيال الروائيّ في بحر من التخمين والتشكيك أم البحث عن الواقعيّة بعد اللذّة الأدبيّة..؟


عالم الرواية


تظلّ رواية «مرتفعات ويذرنج» التي نشرت أوّل مرّة سنة 1847 علامة فارقة في تاريخ الأدب الإنكليزيّ، وهي الرواية الوحيدة لكاتبتها لإميلي برونتي التي هي واحدة من الأخوات برونتي، وهن ثلاث كاتبات شقيقات “شارلوت، “إميلي”، و”آن” عشن عزلة غريبة وكتبن أعمالاً هامة. شارلوت برونتي كتبت “جين إير”، وآن برونتي كتبت “أغنيس غراي”، و”نزيل قاعة ويلدفيل”.

ظلّت رواية إميلي مصدرَ استيحاء واقتباس لعدد من الأعمال الفنيّة والدراميّة، وتدور أحداث الرواية في منتصف القرن التاسع عشر، حيث كانت المنطقة تعجّ بالتناقضات والصراعات. وقد تمّ الاشتغال عليها سينمائيّاً في أكثر من عمل، كالعمل الذي أخرجه وليام يلر سنة 1939 ونال حينها العديد من الجوائز.

تصوّر برونتي الحبَّ الوحشيّ المدمّر، الذي يحطّم المرء ويحرّضه على الانتقام من كلّ شيء، والاقتصاص من كلّ ما يقف في طريق التواصل مع المحبوب، وذلك بالتوازي مع تصوير الضعفَ الإنسانيّ في بعض تجلّياته الوحشيّة، ذاك الضعف الذي يفيض جنوناً ودماراً، ويخلّف صاحبه حُطام إنسان، أو أنقاض إنسان، حيث يقف على أطلال روحه، ويعاود الرجوع إلى مواطن عشقه وولهه.

تكون الخاتمة المفتوحة على البدايات المختلفة المحتملة ارتحالاً بين تلك المرتفعات.. ويظلّ هيثكليف رهين صورة كاثي الميتة المستمرّة في الحياة داخله، وصوتها الشجيّ لا يفارق سمعه وخياله

تحكي برونتي واقع أن يجاهد المرء لاستعادة الماضي بتفاصيله ودقائقه، يعيشه ثانية، ويتبدّى في حالة بطلها هيثكليف أنّه ظلّ يعيشه منذ مغادرته المفاجئة التي لم تقلّ فجائعيّة وغرابة عن قدومه الغريب.. تعالج وتصوّر كيف أنّ من الحبّ ما قتل، وأنّ من الحبّ ما دمّر.. تستعرض حالات من القتل والتدمير بدوافع الحبّ والدفاع عنه.

هيثكليف؛ هو الاسم الذي يختاره ربّ أسرة ريفيّة لفتى يعثر عليه في ليلة شتائيّة عاصفة، يقلّه معه إلى بيته، يعرّفه إلى أفراد أسرته، يخبرهم أنّه سيعيش بين ظهرانيهم كواحد منهم، ويجبر الجميع على القبول بقراره الذي لم يكن يملك بديلاً عنه، حكّم ضميره وإنسانيّته وحافظ على الفتى من الهلاك.

تتقبّل الأسرة بتوجّس الفتى الأسمر الغريب، يتعوّد عليه الجميع وعلى وجوده الشفّاف بينهم، متحلّياً بهدوئه وصمته، سوى الابن الأكبر الذي يعامله بلؤم، يضربه، يعتدي عليه، يحتقره، وبرغم ذلك يحافظ الفتى هيثكليف على هدوئه المتفجّر ألماً وأسىً، وانتقاماً لاحقاً، ويتغاضى عن سلوكيّاته الشائنة بحقّه.

بالتزامن مع ذلك يهدّده أنّه سيخبر والده بتصرّفاته الرعناء، ما يدفع الابن إلى اللؤم العدائيّ إزاءه، والاعتداء المتكرّر عليه، وحين يكتشف الأب المريض ممارسات ابنه ولؤمه مع هيثكليف، يقوم بطرده من البيت، ما يفسح المجال لهيثكليف بالاستمتاع برفقة الفتاة الرقيقة كاثرين، وهي الابنة الصغيرة المدلّلة للأسرة، ذات الصوت الشجيّ، والروح المحبّة.

يتعلّق أحدهما بالآخر تعلّقاً غريباً، لا ينفصلان عن بعضهما بعضاً ليلاً ونهاراً، يتجوّلان بين السهول والجبال، يسرحان ويمرحان، وهيثكليف يبقي مسافة بينه وبينها، لا يترك مشاعره تتغلّب عليه، يعشقها بجنون وصمت، يتملّك عشقها روحه وكيانه.

يكون موت الوالد المصيبة التي تحلّ بالأسرة، والتي تشكّل شرارة لمصائب لاحقة لا تهدأ، دائرة الأسى تنطلق في تلك اللحظة التي يعود فيها الابن المغرور إلى المنزل بعد غياب إجباريّ إثر طرده على خلفيّة سوء سلوكه مع هيثكليف، يعلن الابن الذي يجلب معه زوجته، أنّه قد أصبح ربّ الأسرة، يأمر هيثكليف بحمل الحقائب من العربة إلى داخل المنزل، يخبره بوجوب الانتقال إلى الحظيرة، ويقول له إنّه سيحتفظ به للعمل، وإلّا سيقوم بطرده، وهيثكليف يتحمّل ذلك كلّه في سبيل عشقه بصمت مؤجّل التفجّر والتدمير. ولا تجدي تدخّلات كاثي وتوسّلاتها للحؤول دون تعذيب هيثكليف أو معاملته بتلك الطريقة المجحفة.

يتفعّل الزمن الروائيّ – السينمائيّ، إذ يعود هيثكليف بعد سنين، وقد تغيّرت هيئته، يعود بحلّة حداثيّة، توحي ملامحه وتصرّفاته وثيابه بالغنى، يذهب إلى البيت الذي عاش فيه، يجد أنّ صاحبه قد أصبح رجلاً مريضاً بائساً، يعرض على هيثكليف تأجيره غرفة في البيت، ويسأل هيثكليف عن كاثي التي جاء من أجلها، فيعرف أنّها قد تزوّجت، فيقصد بيتها، وهو أسير مشاعر متناقضة، يهجس باسمها، يسترجع لحظاته الجميلة والأليمة معها، يسترجع سياحاته برفقتها في الأدغال، وبينما هو يقترب رويداً رويداً متهيّباً من المنزل، يحتسب للمفاجأة، ويدرس احتمالات التلاقي بعد زمن، تخبره العاملة أنّ كاثي أصبحت سيّدة المنزل لأنّ والدي زوجها قد ماتا، ثمّ تأتي إليه كاثي.

اللقاء يكون عاصفاً، لا مجال فيه للوم والعتاب، كما لا مجال لإرواء الشوق بالارتماء في الأحضان، تبقى مسافة معلومة بينهما، تعاتبه بهدوء وأسى وألم، تخبره عن تألّمها لفراقه ورحيله، ثمّ لاحقاً تؤنّبه بشدّة، تصفه بالجبن والتخاذل عن مساعدتها والتمسّك بها، وهروبه من الدفاع عن حبّهما، لا تقتنع بأيّة حجّة يسردها لها. يعود إليها في وقت ضائع، حيث تكون حبلى، وتائهة بين مشاعرها وواجباتها، ترافقه في بعض الجولات، تصحبهما فيها إيزابيلا وهي أخت زوجها. تُعجَب إيزابيلا بهيثكليف، تتعلّق به، ثمّ تبادل كاثي العداء، إلى أن يلتفت إليها هيثكليف ويتزوّجها بعد سلسلة مماحكات وحوادث ومفارقات.

عودة العاشق الضالّ تشكّل هاوية تكون انعكاساً للمرتفعات الكثيرة المحيطة العالية، تكون شرارة لإحراق كلّ شيء، ونُذُر الأعاصير المجنونة اللاحقة. تنشأ خلافات بين كاثي وزوجها، يتسبّب لها هيثكليف بالمشاكل، وتكون المواجهة العدائيّة بينه وبين زوجها، وعراكهما عليها في حضورها، وصراخها أنّها يئست من كلّ شيء، صدمة أخرى للجميع.

يخلّف قرارها هوّة في الروح وينتج فراغاً قاتلاً لديها، تقع طريحة الفراش، وصريعة المشاعر المتناقضة والعشق المغدور والنأي الإجباريّ المتتالي.

تكون الخاتمة المفتوحة على البدايات المختلفة المحتملة ارتحالاً بين تلك المرتفعات.. ويظلّ هيثكليف رهين صورة كاثي الميتة المستمرّة في الحياة داخله، وصوتها الشجيّ لا يفارق سمعه وخياله، ساهماً، مسكوناً بها، ويلوح له مستقبله أجوفَ موحشاً من دونها..


سيمفونية طبيعية

نمر بعشاق يخيمون بجانب النهر، يتآلفون مع الطبيعة ويتكيفون معها أياماً ولياليَ، يتسقطون آثار أبطال الرواية


وأنا أنصت إلى خرير الينابيع ودويّ الصمت من حولي، حيث أكواخ متناثرة، كهوف ومغاور، حيوانات بريّة تلوذ بمخابئها حين تشعر بشيء من المداهمة، أعدت رسم صورة هيثكليف؛ بطل الرواية، وحالته التي تبعث على التعاطف والشفقة من جهة، وتحرّض على الإدانة والاتّهاميّة من جهة ثانية.

توجّسنا بداية من الانطلاق في جوّ غائم صباحاً، لكنّ بعد الوصول، كانت الشمس تشرق علينا بين الغيمة والغيمة، مع كلّ سطوع للشمس يتغلغل الدفء إلى أجسادنا، وقد نحتمي بظلّ بعض الأشجار لحظات، ثمّ حين تغيب نبحث عنها بين الغيوم، ونكمل مستمتعين بتقلّب مزاج الطبيعة وهوائها، ومع كلّ تغيّر ترتسم لوحة تبدعها ريشة الإله.

الجوّ العاصف المتقلّب ميزة تلك المرتفعات والمروج، نرتقي تلاّ، نتجاوز نهراً، نستمتع بموسيقى شلاّل، ورقص الأغصان والأوراق على إيقاعات الينابيع المتفجّرة من مختلف الجهات، أزهار تتبرعم مبشّرة بربيع ساحر، سيمفونية طبيعية تبثّ الطمأنينة والسكينة في الأرواح والأجساد.

نمرّ بعشّاق يخيّمون بجانب النهر، يتآلفون مع الطبيعة ويتكيّفون معها أيّاماً ولياليَ، يتسقّطون آثار أبطال الرواية ويعيشون رواياتهم الفريدة ومغامراتهم المبهجة.

الطريق إلى عالم الرواية مفعم بالحكايات والغرائب والجماليات، الطريق إلى مسرح الرواية لا يقلّ إمتاعاً عن قراءة الرواية، فهنا الحياة والرواية تلتقيان، المغامرة والتاريخ يتداخلان، الأسطورة والملحمة تتصدّران صفحة السماء وتتبادلان أدوار البطولة في رحلتنا نحو الجمال، وبين الجمال.

منحت برونتي البطولة المطلقة للطبيعة التي تصقل البشر وتطبعهم بطباع تناسب الظروف التي يجدون أنفسهم في بحورها، وتبدي الطبيعة شريكة في اتّخاذ القرارات، أو مشاركة المصائر والنهايات، ولا تقتصر المرتفعات على الأبعاد الجغرافيّة والتضاريس الطبيعيّة، تتعدّى مدلولاتها الجغرافيّة لتجتاح الأرواح، وتعبّر عن ذراها ومرتفعاتها الغائرة في القلوب والدواخل. إنّه عسف الجبال وعصف الخيال.

كلّ شخصيّة لدى برونتي تشكّل مرتفعاً ـ ذروة قاهرة، كما تشكّل حلقة في سلسلة لا منتهية من المرتفعات الشاهقة بالغة الأثر والألم. كلّ امرئ هو جلّاد وضحيّة في الوقت نفسه. هو وحش وملاك معاً. يكون الحبّ سبباً للحقد الفيّاض المدمّر. تصوّر نوعاً جنونيّاً من الحبّ، تظهر كيفيّة أن يقتل أحدهم مَن يحبّ باسم الحبّ، وهو يظنّ أنّه إنمّا يدافع عن حبّه.

وبينما كانت رحلتنا القصيرة التي استغرقت بضع ساعات من المشي بين سحر الطبيعة وفتنة الأدب، استعدت الأسئلة التي عصفت بي حين قرأت الرواية، وتابعت أكثر من فيلم مستوحى منها: هل يصنّف هيثكليف قاتلاً مجنوناً..؟ هل تبرّر له جرائمه، التي قد تصنّف في خانة ردّ الاعتبار..؟ هل كان هيثكليف تائهاَ قبل تعرّفه إلى كاثي وعشقه لها أم أنّه غرق في المتاهة وضاع من بعدها..؟! أيّ المتاهتين كانت أشرس وأعمق أثراً..؟! هل سكن هيثكليف المرتفعات أم بات نزيل سجن ذاته وقتيل وحشته في أيّامه التالية..؟!

وربّما كان السؤال الأكثر استمراراً معي: كم في الطبيعة من ظلم، وكم من عاشق مظلوم مجهول كهيثكليف لم يسمع به أحد..!

16