"الطريق": البراءة والعنف جسرا فيلليني إلى محبي السينما في العالم

بفيلم “الطريق” صنع فيلليني تراجيديا عصرية أبطالها فقراء مهمشون تسحقهم الحياة، ولا يرحم بعضهم بعضا. ولا يستجيب البعض، مثل جيلسومينا، لفرصة نجاة على يد محب في صدق “المجنون”.
السبت 2019/08/31
درة أعمال فيلليني

في تاريخ السينما، يندر أن تجد عينيْ بطلة قادرة على أن تلخّص، إيمائيا بصدق نادر، هذا المزيج من العفوية والسذاجة والدهشة والسعادة والرضا والسماحة والتصالح مع العالم واليُتم والحزن والقهر والوحدة والأسى. كانت “جيلسومينا” في الفيلم الإيطالي “الطريق” صاحبة تلك العينين. وبهذه المشاعر خاضت الفتاة، التي لم تتخلَّ عنها براءتها، اختبارا صادما في “الطريق” الأكثر تعقيدا من مجرد مسافة بين مكان وآخر، وإنما هو الحياة نفسها، أو تجربة تنتهي معها مرحلة البساطة، لكي تبدأ مواجهة غير متكافئة بالطبع مع ما يمثله “زامبانو” من شراسة وانغماس في الملذات الحسية، مفتونا بقدراته العضلية.

يبدأ فيلم “الطريق”، الذي أخرجه الإيطالي فيديريكو فيلليني عام 1954، بمشهد نهاري لبطلته على شاطئ، وينتهي بمشهد ليلي لبطله على شاطئ آخر. وبين القوسين تدور الأحداث خلال 108 دقائق، في صراع بين الحياة والموت، العذوبة والتوحش، الطهارة والخطايا، الفطرة والخبرة العنيفة التي لا تتورع عن إقدام “زامبانو” على القتل والشروع في سرقة غرفة الراهبات في الدير. وقبل المشهد الأول يمهد الملحن الإيطالي “نينو روتا” لهذا الصراع بموسيقى تصويرية أشبه بضربات القدر والمصائر التراجيدية.

وكان الفيلم من أصدق تمثيلات الواقعية الإيطالية الجديدة بعد انتهاء الحرب الأوروبية العظمى عام 1945. وقال بوب ديلان إن فيلم “الطريق” كان من أهم المؤثرات التي استوحى منها أغنيته “Mr Tambourine Man” عام 1965.

مثل فنان تشكيلي، يرسم فيديريكو فيلليني في فيلم “الطريق” أوجز وأبلغ تقديم لبطليْه. ففي المشهد الأول جامعة حطب صغيرة السن، في لقطة متوسطة، وأمامها فضاء رحب وشاطئ فقير. كانت تحمل فوق ظهرها حزمة من البوص وتلتقط المزيد، وهي تتجه إلى الشاطئ، ولا يراها المشاهد الذي يسمع صوتا قادما من خلفها ينادي “جيلسومينا”، وتتبعثر الحروف في الفضاء، ويطغى عليها هدير الموج، فيدخل إلى الكادر من أقصى اليسار أربعة من الصبية يقابلون جيلسومينا، ويبلغونها بضرورة الرجوع إلى البيت، فهناك رجل يقول إن أختها “روزا” ماتت. هذا المشهد الأول في الفيلم سيكون آخر عهد لها بالبيت، أي بيت، ويصير بيتها هو “الطريق” الذي يربط مصيرها بهذا الرجل العنيف.

بنظرة سريعة، تسهل الإحاطة بالملامح الجسدية لجيلسومينا (أدت الدور ببراعة استثنائية الممثلة جولييتا ماسينا وهي زوجة فيلليني)، بقصر قامتها وضآلة بنيتها. وأما ملامحها الاجتماعية والنفسية فيرسمها عالمها الفقير المحدود، وعيناها الواسعتان ونظراتها البريئة المتأرجحة بين ابتسامة متفائلة، وحزن على وفاة أختها، ودهشة لخوض تجربة ستتولى فيها إمداد الأسرة بالمال، بالذهاب مع رجل لا تعرفه، إذ تسألها الأم باكية وهي تحمل أحد أبنائها “هل تعرفين زامبانو زوج روزا؟”، وتخبرها بأن روزا ماتت بعيدا، ولن تعرف لها قبرا. وبجسده الضخم يقف زامبانو (أنطوني كوين) بزاوية مائلة، في ضجر لا يتخلص منه بتدخين السيجارة، ولا يأبه لذكر الموت، أو لأن من ماتت كانت زوجته. ويتفحص الفتاة باستهانة وفظاظة، ولا ينتظر دعوة من الأم لكي ينظر إلى جيلسومينا، ليتأكد أنها تشبه أختها روزا. وتمتدح له طيبة جيلسومينا والتزامها، وتحثها على الذهاب معه، وتأمل أن تكتسب مهارات، وتكسب المال لإطعام إخوتها اليتامى الجائعين “ستريْن العالم، وتتعلمين الغناء والرقص”.

في استفتاء أجرته مجلة {فوكاس} الأميركية لاختيار قائمة تضم أشهر 100 فيلم في تاريخ السينما العالمية من بين 250 ألف فيلم، احتل فيلم {الطريق} المركز الرابع والستين
في استفتاء أجرته مجلة "فوكاس" الأميركية لاختيار قائمة تضم أشهر 100 فيلم في تاريخ السينما العالمية من بين 250 ألف فيلم، احتل فيلم "الطريق" المركز الرابع والستين

وليس ما جرى إلا صفقة بيع نفس بشرية، بمبلغ 10 آلاف ليرة، جعلت الأم تفرح، وتكاد تضحك ضحكة عابرة مسروقة، وهي تُري الأوراق المالية لابنتها، وتقول إنها الآن تستطيع إصلاح سقف البيت وشراء طعام. وكان مبلغ الشراء زهيدا، ففي إحدى الحانات سيدفع زامبانو 4200 ليرة ثمنا لوجبة عشاء، قبل أن يخرج وفي يده امرأة أغوته، وفي يد جيلسومينا زجاجتا نبيذ.

في المشهد الأول كانت جيلسومينا تنظر إلى زامبانو من أسفل، بحياد واستغراب، وهو يتأملها من أعلى بعيون مرتابة تخلو من الشفقة، ولا يكتفي بخشونة نظراته، وإنما يرد على سؤال الأم “هل تستطيع يا زامبانو أن تعلّمها شيئا؟”، فيرد من دون تعاطف “نعم، أستطيع تعليم أشياء كثيرة حتى لكلب”. ويمنح إخوتها بعض المال لشراء طعام. وتعطيهم جيلسومينا ظهرها، وتذهب نحو البحر، وتتخذ ما يشبه وضع الصلاة. وحين كان زامبانو ينتظرها ليغادرا، لاحقتها الأم باكية، وتوسلت إليها ألا ترحل؛ فهي تخشى ألا ترجع مثل أختها روزا التي ماتت غريبة.

فيلم “الطريق”، الذي يراه الكثيرون درة أفلام فيلليني وأفضل أدوار جولييتا ماسينا، توفرت له عناصر البقاء ليكون عملا إنسانيا، فهو ثمرة جهد جماعي سابق على التصوير. كتب السيناريو والحوار توليو بينيللي، وشارك في السيناريو كل من فيلليني وإنيو فلايانو. واكتسب الفيلم نجاحه بالتدريج، ففي مهرجان فينيسيا 1954 نال جائزة الأسد الفضي، ولم تفز جولييتا ماسينا بجائزة التمثيل. وفي عام 1955 بدأ عرضه في نيويورك لمدة ثلاثة أعوام متصلة. ومنح الفيلم مخرجه فيلليني أول جائزة أوسكار في مسيرته. وفي استفتاء أجرته مجلة “فوكاس” الأميركية بين نقاد السينما، لاختيار قائمة تضم أشهر 100 فيلم في تاريخ السينما العالمية من بين 250 ألف فيلم، احتل فيلم “الطريق” المركز الرابع والستين.

رحلة البحث عن معنى
رحلة البحث عن معنى

فيلم “الطريق” هو رحلة البحث عن معنى، عن جدوى الحياة ومغزاها. وبدون مثل هذه الصدمة ربما يولد إنسان ويعيش طويلا، ثم يموت، وكما ولد يموت، من دون اكتساب مهارة، أو إضافة وعي إلى حياته أو تطوير وعيه بالحياة نفسها. ينمو الوعي الفطري المحب للناس لدى جيلسومينا، فهي راغبة في مدّ جسور التواصل مع الآخرين، وتحب زامبانو ولا ترى لها رجلا غيره، على الرغم من سلوكه الخشن والطائش، ولكنه لا يبالي بها، ويندفع وراء المتع الشخصية المؤقتة. ولا يكفي وجودهما معا كل الوقت لبدء تفاعل إنساني حقيقي، فلكل منهما عالم يوازي عالم الآخر، ولا يتغيّر زامبانو إلا بعد فوات الأوان، وقد ماتت جيلسومينا، فيبكي عمره الضائع سدى.

في الفيلم تحضر ثنائية الروحي والمادي. الأول تمثله جيلسومينا وهي امرأة طفلة عطوف رقيقة ليس في ذاكرتها مكان لإساءات الآخرين. والثاني يجسده زامبانو القاسي الذي لا يراها أكثر من شيء، وسيلة لمساعدته في جلب المال، وهو يؤدي حركاته العنيفة، في حلبة سيرك أهلي متواضع، لقاء أموال يمنحها له المعجبون بقدرته، وهو يستعرض عضلاته ويتغلب على السلسلة الحديدية، محذرا ضعاف القلوب أن ينظروا إليه؛ “فقد ينغمس الخطاف في لحمي، وينفجر الدم”.

وقبل العرض يدرّبها على طريقة الأداء كما يدَرَّب القرود في السيرك. في الخلاء ينفخ زامبانو في آلة الترومبيت ليعلمها كيف تعزف، ثم يتناول الطبلة، وتمسك جيلسومينا بالترومبيت وتختبره ببراءة، وتجرب النفخ، فيجذب زامبانو الآلة بغلظة، وينبهها ألا تفعل شيئا إلا إذا أمرها به، وأن مهمتها تقتصر على نداء “ها قد وصل زامبانو”، أو “هنا زامبانو”. وتخطئ في نطق الكلمات بالإيقاع المطلوب، فيضرب ساقها بالعصا. وتكرر المحاولة وتفشل فيضربها، وتحاول من جديد وهي تبكي، وخلفها يأتي للمشاهدة أطفال منعّمون ليسوا كإخوتها. وفي المشهد التالي يسألها زامبانو عن اسمها، ولا تغضب جيلسومينا التي يصفو قلبها دائما، وتسمعه يقول لجمهور السيرك “زوجتي سوف تمر عليكم بالقبعة بعد العرض”، ثم يقدمها لأصدقائه في الحانة باعتبارها زوجته.

ويبدأ بينهما في الحانة أول حوار للتواصل الإنساني، فتسأله جيلسومينا “من أي مكان يا زامبانو؟”، يجيب “من قريتي”. تسأله “أنت تتكلم بطريقة مختلفة عن الناس، فأين ولدت؟”، فيجيب “في بيت أبي”. ثم ينقطع التواصل؛ لانشغاله بمداعبة امرأة بفجاجة بضرب مؤخرتها. ويقدم نفسه إلى المرأة بأنه فنان متجول، ويشير إلى جيلسومينا قائلا للمرأة “وهذه مساعدتي”، وتكتفي جيلسومينا بنظرة دهشة طفولية إليهما، ولا تبدي أي غيرة أو ضيق. ويتركها في الشارع، ويذهب مع المرأة، فتنتظره جيلسومينا على الرصيف حتى الصباح، وفي الشمس تفاجأ بطبق فيه طعام بجوارها، وتعطيها طفلة شيئا، وتتحاور امرأتان عن جيلسومينا التي “بها شيء”. وتسأل المرأة جيلسومينا عما إذا كان زوجها صاحب العربة الغريبة التي كانت مركونة هنا ليلة أمس؟ وتخبرها بأنه نائم في أقصى المدينة بجوار الكثبان الرملية بالقرب من مزرعة. ولم تكن “العربة الغريبة” إلا دراجة نارية ذات ثلاثة إطارات (تروسيكل) ولها صندوق خلفي أقرب إلى بيت متنقل يتسع للثياب وللنوم أيضا. وكانت العاهرة قد سخرت أمس من العربة، فقال زامبانو بزهو “إنها أميركية”، وهذا كاف للتدليل على جودتها كوسيلة تنقل في إيطاليا عقب الحرب الأوروبية العظمى.

توقظه جيلسومينا فلا يستجيب، وفي مشهد يؤكد سلامة فطرتها، تخبره بأنها زرعت طماطم، إذ عثرت على البذور وزرعتها وهو نائم، فيسخر منها لأنهما لن يبقيا هنا حتى ينمو الزرع. وتوجه إليه أسئلة عن علاقته بتلك المرأة؟ وما إذا كان يعتاد مواعدة النساء؟ وهل كان يعامل روزا بهذه الطريقة؟ ثم يبدأ التحول في حياتها حين تقرر أن تتركه، وتهرب قبل أن يصحو، وأثناء انتظارها في طريق ريفي يمر بها ثلاثة رجال يعزفون فتسحرها موسيقاهم، وتتبعهم لتجد نفسها في احتفال ديني في ساحة، وينتهي بظهور البهلوان الشهير “اِلْماتّو” أي المجنون (الممثل الأميركي ريتشارد بزهارت)، وهو يحلّق بأجنحة مثبتة وراءه، ويمشي على حبل مشدود. وسيكون “المجنون” هو المعادل المضاد لزامبانو، فهو ودود، دائم الابتسام، ويجيد التعامل بما يليق بفنان يجذبها إلى أعلى برهافة، بعيدا عن المجال الأرضي المحدود لزامبانو. ويتم التعاقد مع زامبانو لتقديم فقرة في السيرك، ويعلمها المجنون كيف تعزف وترقص، ويلمح مدير السيرك إلى تنظيم عرض بمشاركة المجنون وجيلسومينا وحدهما، فيغار زامبانو، وتجري بينه وبين المجنون شجارات تنتهي باشتباك على الطريق، وهو يبدل إطار سيارته، فيضربه زامبانو، ويسقط المجنون على الأرض، وتصيح جيلسومينا “أصيب المجنون”، ويظنه زامبانو قد مات، فيلقيه في مجرى مائي، ويدفع السيارة من أعلى فتشتعل فيها النيران.

وتصاب جيلسومينا بالذهول، وتلازمها صيحة “أصيب المجنون”، وترددها من دون وعي حتى وهي تنقر الطبلة، أثناء فقرة زامبانو الذي يتركها على الطريق نائمة بجوار جدار مهجور، ويضع بجانبها الترومبيت وبعض النقود، ويُحكم عليها الأغطية. ولعله خاف أن تكون سببا في كشف جريمته، فدفع العربة بساعديه، حتى ابتعد بمسافة آمنة فلا تستيقظ، ثم أدار الموتور وأسرع مبتعدا.

عمل من أصدق تمثيلات الواقعية الإيطالية الجديدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية
عمل من أصدق تمثيلات الواقعية الإيطالية الجديدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

ولم يعد زامبانو ذلك الشاب الممتلئ بالفتوة، فقد صار يؤدي فقرته في السيرك بتثاقل ومن غير همة، وهرمت خطواته، وتقدمت به السن. ولكن أذنه لا تخطئ نغمة حزينة كانت جيلسومينا ترددها، ويسمعها الآن بصوت امرأة، فيمشي منجذبا إلى مصدر الغناء، حتى يصل إلى امرأة تنشر الغسيل على حبل، ويحول سلك شائك بينه وبين المرأة التي تخبره بأنها تعلمت هذه النغمة من فتاة عاشت بينهم قبل أربع أو خمس سنوات، ولم تتحدث قط، ولم يتعرف عليها أحد، وكانت “مجنونة قليلا”، ودائما تعزف على الترومبيت، ولم يكن لها مأوى حين عثر عليها أبوها بالقرب من الشاطئ، وأصيبت بالحمى، وظلت تبكي وترفض الطعام، وكلما تحسنت صحتها خرجت لتعزف. وقد ماتت.

يتركها زامبانو ويمضي بفتور لأداء فقرته في سيرك على الشاطئ، وحيدا لا تؤنسه الفتاة التي كانت تضفي على عمله بهجة. ويقدمه مدير السيرك إلى الجمهور بأنه “الرجل ذو الرئة الحديدية”، وكان ذلك آخر عهد له بالسيرك، فأدمن الخمر، وذات ليلة لم يتحكم في سلوكه، فأمر صاحب الحانة بضعة عمال بإخراجه، وتبادلوا اللكمات وألقوه في الطريق. ونهض زامبانو، وأفرغ غضبه في صناديق القمامة الفارغة، ركلها في ليل صامت، وعبر قضبانا لخط سكك حديدية، وصاح “لا أحتاج إلى أصدقاء. لا أحتاج إلى أحد. أريد أن أكون بمفردي، وحيدا”. ومتى لم يكن زامبانو وحيدا؟ وهو الآن خائر القوى، يستند إلى أحد الأعمدة، ويتجه إلى البحر.

اكتفى المشهد الأخير بتصوير الفضاء الليلي للشاطئ وللبحر، أفق أسود تماما إلا من زبد أبيض لموج يرتطم بالشاطئ. ويخوض زامبانو في الماء، يغسل وجهه ثم يعود إلى الشاطئ، ويحدق إلى لا شيء، كأنه يتأمل نفسه وحياته ورحلة جيلسومينا معه، ثم ينظر إلى السماء، ويقلّب وجهه في تتبع ما لا نراه، ويمتلئ صدره بآهة ندم عميقة، يطلقها ويبكي. ينهار ويغترف الرمال بيديه، ويبكي والكاميرا تتراجع فيتضاءل، حتى يوشك على الاختفاء.

بفيلم “الطريق” صنع فيلليني تراجيديا عصرية، أبطالها فقراء مهمشون، تسحقهم الحياة، ولا يرحم بعضهم بعضا. ولا يستجيب البعض، مثل جيلسومينا، لفرصة نجاة على يد محب في صدق “المجنون”. ومنذ متى يختار أبطال التراجيديا أقدارهم؟

16