الطريق الشائك لحل الأزمة مع النقابات في تونس

الأحد 2017/02/26

بدأت تونس تتعافى تدريجيا من أزمة الإرهاب، وتغالب نفسها للتعافي في الأزمتين الاقتصادية والاجتماعية. لكنها لم تتجاوز بعد الأزمة السياسية بسبب الحسابات التي تجريها جهات مختلفة لتحويل وجهة الدولة لخدمة أجنداتها.

ولا يجد من يفشل في تحقيق أهدافه الحزبية أيّ حرج في الاجتراء على الدولة، وإظهارها في موقف الضعيف والمربك. ولا يتم ذلك وجها لوجه، ولكن عبر أدوات في ظاهرها غير سياسية، سواء بالتخفي وراء جمعيات مدنية وحقوقية أو عبر النقابات التي أصبحت تتحكم في كل شيء، ويستحي المسؤولون السياسيون أن يعترضوا عليها بصوت عال كنوع من المجاملة لاتحاد الشغل.

لا أحد في تونس عارض نشاط النقابات منذ الزعيم الحبيب بورقيبة مرورا بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وصولا إلى الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي. والصدامات التي حصلت بين السلطة والنقابة كانت بسبب بحث الأخيرة عن دور سياسي في المشهد الوطني، وبعضها كان واجهة لصراع شخصي بين زعيم النقابة ورئيس الدولة مثلما حصل بين المرحومين الحبيب بورقيبة والحبيب عاشور.

الآن، تستعرض النقابات قوتها في أغلب القطاعات، مستفيدة من دورها في الحوار الوطني الذي أفضى إلى الإطاحة بحركة النهضة من الحكم في 2013. وتريد أن تلعب نفس الدور مع حكومة الشاهد بسبب وزير التربية ناجي جلول.

ولا تخفي نقابة التعليم الثانوي ونظيرتها في الابتدائي أن مطلبهما بإقالة جلول مطلب سياسي، وأن المطالب الخاصة بالزيادات والترقيات قد تم استيفاؤها.

وسبق أن نجحت نقابة الصحة في أن تطيح بالوزير السابق سعيد العايدي مستفيدة من توازنات داخلية في حزب نداء تونس كانت تطالب بإقالته. وذنب العايدي أنه أراد أن يمسك بالملف الصحي كوزير ووضع إصبعه في عش دبابير الفساد. ويبدو أن بعضها كان على صلة بنقابيين وازنين على مستوى نقابات وسطى.

من الواضح أن حكومة الشاهد تريد أن تحتفظ بعلاقة ودّ مع الاتحاد العام التونسي للشغل لأن دوره مهم في المساعدة على تحقيق برنامجها الإصلاحي، والاحتفاظ بأجواء إيجابية مساعدة على استمرار العمل بوثيقة قرطاج التي وقّع عليها اتحاد العمل، واتحاد رجال الأعمال، فضلا عن الأحزاب الوازنة في المشهد التونسي.

وتنتظر الحكومة موقف القيادة الجديدة لاتحاد الشغل، بزعامة نورالدين الطبوبي، من لعبة ليّ الذراع في قطاعي التعليم مع الحكومة، خاصة أن فترة الحملات الانتخابية في المنظمة قد انتهت، وأفرزت الانتخابات قيادة من غير قائمة لسعد اليعقوبي الذي يتزعم الآن حملة الإطاحة بوزير التربية. ومن ثمة يمكن أن يخرج الاتحاد بموقف أكثر اعتدالا في قضية ثانوية ضمن أولوياتها، لكن الصمت عليها قد يقود إلى تصعيد غير محسوب مع الحكومة.

ونعتقد أن قيادة الاتحاد ستحاول أن تحفظ ماء وجه نقابييها بانتقاد جلول وتصريحاته التي استفزت النقابات ومنتسبيها، لكنها أيضا، وهي الحريصة على أن تبقى قوة تعديلية في البلاد، ستسعى للتهدئة وامتصاص التصعيد للتفرغ لقضايا أهم.

وما يشجع على هذا الاعتقاد هو أن الجهة السياسية التي تحرك نقابات التعليم ليست طرفا قويا داخل الاتحاد وفي المشهد السياسي، وأن الاتحاد لا يمكن أن يسير في أجندة سياسية مكشوفة ولو كانت لفائدة أمينه العام، فما بالك بأجندة جهة محدودة التأثير.

وتحتاج الحكومة بدورها إلى أن تضغط على الوزير ليكفّ عن إطلاق التصريحات المستفزة تجاه النقابات، وأن يقلل من ظهوره الإعلامي، ومن اتخاذ قرارات متسرعة دون أن تجري الحكومة بشأنها استشارة أوسع وتتبناها بصفة علنية.

ومن تلك القرارات يمكن الإشارة إلى قضية الزمن المدرسي التي بان بالكاشف أنها خطوة غير محسوبة ومرتجلة، أو اقتراح الوزير بأن تدرس مادة التاريخ بصفة مختلفة في كلّ منطقة، حسب تاريخها، وهو موقف مثير للاستغراب ولا يفسر إلا بالرغبة في إحداث المزيد من الجدل حوله.

ويمكن للرئيس الباجي قائد السبسي أن يكلّف لجنة من الخبراء في المجال التربوي لوضع رؤية جديدة لإصلاح التعليم، ويتم بعد ذلك استشارة الأحزاب والمنظمات الوطنية، بما في ذلك اتحاد الشغل، حولها ويتم تبنيها كوثيقة مرجعية وطنية مثل وثيقة قرطاج التي أفضت إلى إنشاء حكومة الوحدة الوطنية بزعامة يوسف الشاهد.

ويمكن لخطوة رئاسية مثل هذه أن تخرج بإصلاح التعليم، كمهمة حساسة واستراتيجية، من التجاذب الحزبي أو الأيديولوجي، فضلا عن التجاذب الخاص بمن يقود عملية الإصلاح مثلما يجري الآن بين جلول والنقابات وكلاهما لا يستطيع أن ينهض بهذه المهمة الصعبة.

إن مواجهة الحكومة لإضرابات التعليم، والصحة التي تلوح بإضراب نهاية مارس، وبقية القطاعات، بالصمت والتسويف وانتظار أن تتراجع النقابات تحت ضغط غضب الشارع، سيعني آليا العودة بالبلاد إلى مرحلة الترويكا، وتصبح تونس واقعة تحت سيطرة النقابات والفوضى.

ولا تكلف الإضرابات خسائر كبيرة للدولة فقط، فأول من يتضرر منها المواطنون سواء بغياب الخدمات وتعطيل المصالح، أو بجعل أولياء التلاميذ تحت ضغط شديد، فيضطر الكثير منهم للتغيب عن أعمالهم حتى لا يتركوا أبناءهم في الشارع وأمام المؤسسات التربوية حيث تنتشر مظاهر سلوكية مثيرة للخوف.

وسيقول بعض النقابيين إن التلاميذ أبناؤنا وسننهي البرنامج معهم بدروس التدارك في الوقت المناسب، وهي حجة ضعيفة، فقلة من المربين يتدارك ما فاته، فضلا عن أن ذلك يتم على حساب وقت التلاميذ وعلى حساب النوعية.

ويتحجج قادة من نقابة الثانوي بأن نسبة المشاركة في الإضرابات عالية، وهذا كلام منطقي في ظل ميل الناس للراحة في بلد آخر ما يفكر فيه المواطن هو العمل، ومن ثمة فلا يمكن أن يكون حجة على أن القطاع داعم لخيار ليّ الذراع من الحكومة الذي تتبناه النقابة.

ومن المهم الإشارة إلى أن النقابة لم تكن على خلاف مع وزير التربية حين تسلم مهامه قبل عامين (فبراير 2015)، فقد توافقا بشأن لجان الإصلاح المشتركة، وأمضيا معا على قرار العمل بنظام السداسي بدل الثلاثي، قبل أن يتم التراجع عنه تحت ضغط احتجاجات للتلاميذ اتهمت النقابة أطرافا سياسية بالوقوف وراءها.

وفي أبريل 2015، رحب اليعقوبي بانطلاق الحوار الوطني لإصلاح المنظومة التعليمية الذي بدأه جلول، مشددا على أن “بداية الحوار يعد في حد ذاته خطوة إيجابية، لكن عليه أن يتواصل بصفة تشاركية وعلى أسس سليمة”.

وشدد، وفق ما نقلت مواقع إعلامية، على أنه لمس وجود رؤية تشاركية متقاربة بين مختلف الأطراف المنخرطة في عملية مراجعة التعليم.

وهكذا، فإن المعركة في حقيقتها سياسية، وأن الجهة التي تدفع باتجاه توسيعها تريد أن تستثمر غضب الأساتذة والمربين من تصريحات وزير التربية للإطاحة به، والإعلان عن حضورها من باب قوي في ظل حكومة مرتبكة بسبب تعدد الملفات والاشتراطات داخليا وخارجيا.

والطريق إلى الحل يفرض على الحكومة أن تسعى لتطويق الأزمة بالتعاون مع الاتحاد، والاستفادة من علاقات السبسي بالمنظمة العمالية لإحداث اختراق جدي يوقف حالة التوتر.

كاتب وإعلامي تونسي

5