الطريق العابر للصحراء: جسر يربط الشمال بالعمق الأفريقي

مع بداية استغلال "طريق الحرير" الجديد في أفريقيا في مرحلة قريبة، فإنه يتوقع أن يقلب الكثير من الموازين المرتبطة بمستقبل التبادل التجاري بين دول شمال القارة وجنوب الصحراء وسرعة انسياب السلع وتنقل سكان المنطقة.
الأحد 2018/03/11
التكتلات الإقليمية تتوقف في جانب كبير منها على تطوير شبكة الطرقات السيارة البعيدة

أوروبا ليست قدرا محتوما ولا يفترض أن تكون الشريك الأوحد والأزلي لدول جنوب المتوسط في عصر يتسم بالانفتاح الاقتصادي والسباق العالمي نحو استكشاف الأسواق البعيدة. بالنسبة لتونس ودول شمال أفريقيا المرتبطة أساسا بشراكات متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، إذ يستحوذ الأخير على أكثر من 70 بالمئة في المتوسط من العلاقات الاقتصادية والمعاملات التجارية لهذه الدول مع الخارج، فإن الحل لا يبدو بعيدا للحد من تبعات هذا التشابك الذي بات أشبه بالزواج الكاثوليكي.

بينما تبدو مؤسسات الاتحاد المغاربي في عطالة تامة منذ عقود بسبب الأزمات السياسية وما تبع ذلك من كلفة اقتصادية متزايدة من غياب مغرب عربي موحد، فإن أفريقيا تمثل فضاء رحبا للتعويض وسوقا واعدة لتنمية فرص الاستثمار لدول المغرب العربي بما يمكّن من خفض وطأة الارتباط بالشريك الأوروبي.

لا تنطلق هذه الحقيقة من مخططات استشرافية ولكنها تستند فعليا إلى قصص ناجحة عن اقتصاديات نهضت من تحت الركام والحروب الأهلية والصراعات العرقية لتنتقل إلى النمو والرفاه الاجتماعي. واليوم هناك جسر جديد يمكن أن يربط الشمال بالعمق الأفريقي مع قرب الانتهاء من مشروع الطريق العابر للصحراء.

يعود الحديث بقوة عن الطريق العابر للصحراء الذي بدأ العمل على تجسيده منذ العام 1964، وهو أحد المشاريع العملاقة التي سطعت خلال فترة اتسمت بنزعات التحرر الجماعي من بقايا الاستعمار والنفوذ الأوروبي في القارة.

تتلخص الفكرة أساسا في إحياء الطرق التجارية القديمة على درب تجارة العصور الوسطى حينما كانت القوافل وحدها تربط أسواق أفريقيا بالمدن المتوسطية، وذلك عبر مد طريق عصرية تربط العاصمتين تونس والجزائر بأربع عواصم لدول جنوب الصحراء وهي باماكو ونيامي ونجامينا ولاغوس ويمكن أن تتفرع إلى طرق ثانوية نحو مدن كبرى في المنطقة.

الخبر المهم في هذا أن المشروع العملاق والممتد على أكثر من 9500 كيلومتر يقارب على الانتهاء مع تقدير بانقضاء الأشغال مع نهاية العام الحالي. حتى الآن استكمل المشروع مراحله في الجزائر وتونس ونيجيريا والنيجر بينما تسير الأشغال بشكل متعثر في مالي وتشاد لأسباب مالية وأخرى أمنية.

لكن مع بداية استغلال “طريق الحرير” الجديد في أفريقيا في مرحلة قريبة، فإنه يتوقع أن يقلب الكثير من الموازين المرتبطة بمستقبل التبادل التجاري بين دول شمال القارة وجنوب الصحراء وسرعة انسياب السلع وتنقل سكان المنطقة.

مؤسسات الاتحاد المغاربي تبدو في عطالة تامة منذ عقود بسبب الأزمات السياسية وما تبع ذلك من كلفة اقتصادية متزايدة من غياب مغرب عربي موحد، فإن أفريقيا تمثل فضاء رحبا للتعويض وسوقا واعدة لتنمية فرص الاستثمار لدول المغرب العربي بما يمكّن من خفض وطأة الارتباط بالشريك الأوروبي

تتضح أهمية هذا الطريق الذي ينظر له بمثابة “خطة مارشال” لقطاع النقل المتأخر في أفريقيا، في أنه سيمهد لبناء حد أدنى من التكامل الاقتصادي الأفريقي، وإن كان في فضاء محدود من القارة لكن على مساحة واسعة تقدّر بأكثر من ستة ملايين كيلومتر مربع يقطنها قرابة 400 مليون نسمة. كما سيفك العزلة عن دول حبيسة مثل مالي وتشاد والنيجر، ودول أخرى غرب أفريقيا ومنحها فرصة الوصول إلى منافذ بحرية عبر موانئ دول الشمال الأفريقي ومنها إلى المتوسط.

بالنسبة للدول الملاصقة لطريق الصحراء، فإن التفكير في الخطوات التالية، أي نحو الحلم القديم بمد السكك الحديدية، يتوقف أساسا على حجم ونسق التبادل التجاري في المنطقة مع بداية استغلال الطريق الجديد، خاصة وأنه سيمكن من خفض كلفة نقل السلع بشكل كبير، وهو تحدي يصطدم في المقام الأول بمدى تحسن المناخ الأمني والنجاح في تحييد خطر الجماعات المتشددة.

بناء على ذلك، فإن الدول التي تقع في واجهة الطريق العابر للصحراء ستكون ملزمة أكثر من ذي قبل بتوحيد جهودها في مواجهة حروب ليست سهلة، أولها مكافحة عصابات المخدرات وتهريب البشر وعمليات السطو المنظم علاوة على الإرهاب العابر للقارة، لا سيما وأن الطريق سيكون في مرمى أنشطة بوكو حرام وحركة الشباب وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.

ستكون الاستفادة الأوروبية مؤكّدة من الحرب المتقدمة التي تخوضها دول القارة ضد الإرهاب ومعابر الهجرة غير الشرعية، لكن في كل الحالات يفترض أن يضع الطريق العابر للصحراء، أفريقيا أمام علاقات اقتصادية مختلفة مع أوروبا، بأن فرض على الشريك القديم التزامات جديدة، أهمها العمل على فتح الأسواق أمام تدفق السلع الأفريقية، وهي الخطوة الأكثر عملية وفاعلية لتنمية أفريقيا وخلق فرص العمل في ظل القيود المتزايدة على الهجرة عبر المتوسط، بدل الإبقاء على المبادلات التجارية بوضعها الحالي في اتجاه واحد ولمصلحة رابح واحد.

6