الطريق بين أبوظبي وبيروت

السبت 2014/12/06

بعد ثورة 25 يناير في مصر، سقط عمود الخيمة في محور الاعتدال العربي (السعودية، مصر والأردن). تنبهت الإمارات مبكرا إلى خطورة حركات الإسلام السياسي، وقرأت سريعا امتطاء هذه العصابات لأحلام المواطنين تأسيسا لهلال إخواني يغير هوية المنطقة نحو الرجعية والتطرف. تزامن ذلك مع تآمر الإخوان أنفسهم على واحة زايد، لكن المواطن الإماراتي- قبل مؤسسة الحكم- كان لهم بالمرصاد.

تفاعل السياسة الخارجية الإماراتية- التي تعتمد المواجهة واستثمار الفرص- مع الأحداث كان مذهلا، فقد استطاع النشاط الإماراتي، بالتوازي مع ثقل السعودية ويقظة الأردن، لملمة المنطقة، بعد أن كادت تغرق في المجهول والفوضى. ونجح هذا التوازن في المحافظة على دور فاعل لمحور الاعتدال إلى حين عودة مصر بعد ثورة 30 يونيو، فتحول المحور من الشكل المثلث إلى الحصن المربع (السعودية، الإمارات، مصر الأردن).

في أتون العاصفة العاتية التي هبت على المنطقة وقع لبنان في دائرة الإهمال لعدة اعتبارات، أهمها: ثمة دول- أشد وزنا- كانت بحاجة إلى الاهتمام كمصر في الزمن الإخواني، والغابة السورية التي يتصارع عليها وحش التطرف وعصابة الأسد ومرتزقة إيران. إضافة إلى أن أغلب الطاقم السياسي في لبنان خذل اللبنانيين قبل أن يخيّب ظن الحلفاء.

بعد استقرار الصورة المصرية- رغم كل المنغصات- آن الأوان ليلتفت فرسان الإمارات إلى شقيقتهم اللبنانية. فلبنان، فوق أهميته الجغرافية المتمثلة في إطلالته على البحر المتوسط، وعلى الصراع العربي- الإسرائيلي، وإشرافه على مسرح العمليات في سوريا، وقوته الثقافية الهائلة رغم نعومتها، تغترس أنياب الإسلام السياسي بشقيه السلفي والشيعي في ترابه (حزب الله، الحرس الثوري الإيراني، داعش، القاعدة).

أي اختراق يحققه الإسلام السياسي في لبنان يشكل خسارة لقيمة لبنان ولمصالح محور الاعتدال. نجاح الإسلام السياسي السلفي في الاختراق يعني أن المناطق اللبنانية الفقيرة أصبحت مصنعا لإرهابيين يهددون الدول العربية وغيرها، ونجاح الإسلام السياسي الإيراني في فرض مزيد من السطوة، فهي، قطعا، على حساب مجموع الدول العربية عموما، وعلى حساب أمن محور الاعتدال خصوصا. وفي كل الأحوال يبقى شبح الحرب الأهلية رابضا بظلال الإسلام السياسي التي سترهق المنطقة سياسيا وأمنيا وماليا فوق الخسائر الإنسانية التي ستوجع لبنان نفسه.

الإمارات تعرف، كغيرها، خطورة استقواء حزب الله وإيران، وجزرها الثلاث تحتلها طهران، فدول الخليج نجحت في السنوات الماضية في كشف أكثر من شبكة تجسس لصالح الحزب وإيران، والنشاط الإجرامي للحزب في لبنان وسوريا والبحرين واليمن ودول الخليج معروف للجميع، والإمارات تحديدا لاحظت خطورة الحزب حين حاصرت- قبل سنوات- عناصر لبنانية في الإمارات تمول النشاطات الإرهابية للحزب.

قبل أيام، حضرتُ احتفال السفارة الإماراتية في لبنان بمناسبة اليوم الوطني الإماراتي، وكان واضحا هذا الحضور اللبناني العابر للطوائف والمناطق الذي يكنُّ للإمارات رصيدا فياضا من المحبة والاحترام، ومن الحضور من عاش سنوات في واحة زايد فتراكم الحب على الحب.

لذا آن الأوان أن تستثمر الإمارات هذا الرصيد في دور حيوي أصبح ضروريا للبنان وللمنطقة. فلن تكون الإمارات موضع شك بأنها صاحبة مطامع في لبنان، كما أن التجربة الإماراتية الداخلية في التنمية والأمن والحريات جاذبة للاقتداء والتأثير والاقتباس، إضافة إلى أن تلك التجربة لن تثير مخاوف الطوائف المختلفة، وأخص المسيحيين هنا.

التنمية هي المدخل المناسب للإمارات، فالظروف الأمنية والاقتصادية في لبنان، إضافة إلى تربص الإسلام السياسي، كل ذلك- بقصد أو بلا قصد- يشير إلى أزمة تنموية جديرة بالمعالجة. والتنمية هي العجلة التي يجب أن تقود السياسة اللبنانية، وتسير باللبنانيين إلى الطريق الصحيح. وهنا وجب التنبيه إلى خطورة ترك المناطق السنية في فقر مؤلم يجعلها في مهب الخطر والعنف.

لا تنمية بلا أمن، وقد قامت المملكة العربية السعودية- مشكورة- بدعم ملياري للجيش اللبناني، ويغلب الظن أن هذا الدعم بحاجة إلى تعزيز في بقية القطاعات الأمنية اللبنانية، والإمارات- في هذا الباع- يشهد لها القاصي والداني خبرة وممارسة.

في إطار الرؤية التنموية والأمنية، يمكن صياغة الدور الإماراتي السياسي في لبنان. العلاقة التاريخية بين السنة وممثلهم السياسي (آل الحريري) وبين المملكة العربية السعودية مصدر اطمئنان، والعلاقة العضوية بين حزب الله وإيران كجسد واحد مصدر خطر، لذا فالمطلوب التحرك في الفراغات لتعزيز مساحة الطمأنينة والاستقرار فتقضم، رويدا رويدا، مساحة الخطر والفوضى.

التحرك في الفراغات يعني العمل على ثلاثة محاور وفق منطق مؤسسي ورؤية استراتيجية:

المحور الدرزي الذي يخضع للتقلب بسبب غياب العلاقة المستقرة مع طرف عربي، علما بأن هذا المحور يفتح نفوذا لدول الاعتدال داخل الأراضي المحتلة بحكم وجود الدروز فيها ودورهم المؤثر.

المحور المسيحي الذي أصبحنا في حاجة إلى التفاعل معه لحماية التنوع وردا على جرائم الإسلام السياسي في سوريا والعراق، ولإحداث المصالحة النهائية بين المسيحيين اللبنانيين، وبين العروبة والقضية الفلسطينية بعد رواسب الحرب الأهلية.

وأخيرا المحور الشيعي، خارج ميليشيا حزب الله، تصدّيا للمشروع الإيراني القائم على ارتهان الشيعة العرب خارج العروبة، وضد العرب. بعد أن أعرض كثر عن لبنان، ينتظر اللبنانيون دورا إنقاذيا يعزز قيمة الدولة والقانون، ويرسّخ صورة الإسلام المعتدل، ويكرس تنوع العروبة ومبدأ المواطنة.

في محادثة خاصة بين مسؤول إماراتي رفيع وبين كاتب هذه السطور عن الشأن اللبناني، قال المسؤول: “لقد تحملنا فوق طاقتنا”. أيها الفارس النبيل، قدر الكبار أن يتحملوا، فهم صنّاع التاريخ وحماة الجغرافيا وأيقونة الهوية.

لقد عانى اللبنانيون من التدخلات الخارجية التي تدمرهم، ومن ذلك تدخلات إيران وسوريا وقطر وإسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. والإمارات- تكاملا مع دول الاعتدال العربي- قادرة على إحداث تأثير إيجابي يدعم ويداوي.


صحافي سعودي

9