الطريق لايزال طويلا أمام اتفاق نهائي حول النووي الإيراني

الأربعاء 2014/11/26
متظاهر يحمل نموذجا لصاروخ نووي مع لافتة كتب عليها"لا سلاح نوويا للملالي" احتجاجا ضد برنامج إيران النووي

لندن – صدقت التوقّعات بخصوص الملف النووي الإيراني، وتمّ تمديد المحادثات النووية الإيرانية سبعة أشهر بعد انقضاء المهلة التي لم تفلح في الوصول إلى حسم 12 عاما من الخلاف الغربي الإيراني.

بموجب اتفاق مبدئي تم التوصل إليه بين إيران والقوى العالمية الست (الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، قبل عام في جنيف أوقفت طهران تخصيب اليورانيوم إلى مستوى أعلى مقابل تخفيف محدود للعقوبات التي أضرت اقتصادها بشدة، بما في ذلك الاستفادة من بعض العائدات النفطية المجمدة في الخارج.

وانقضى الموعد دون التوصل لاتفاق. وكان من المأمول أن تؤدي المحادثات في فيينا إلى تحول في الشرق الأوسط وتفتح الباب لإنهاء العقوبات الاقتصادية على إيران وإنهاء العزلة التي فرضت على 76 مليون إيراني بعد عقود من العداء مع الغرب. لكن النتيجة السلبية أكدت ما توقعه مسؤولون مقربون من المحادثات، وهو أن الطريق لايزال طويلا للغاية أمام التوصل لاتفاق نهائي.

قد يكون ثمن الإخفاق باهظا فيما يراقب عدد من القوى الإقليمية الموقف بترقّب، إذ تخشى عديد الدول من أن التوصل لاتفاق ضعيف سيحول دون الحد من طموحات إيران النووية كما أن انهيار المفاوضات سيشجع إيران على أن تصبح دولة على أعتاب صنع الأسلحة النووية، وهو أمر قالت إسرائيل إنها لن تسمح به أبدا.

وحين بدا أنه من المرجح ألا يتم التوصل إلى اتفاق في وقت قريب قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “لا اتفاق أفضل من اتفاق سيئ”.

وفي واشنطن قال ثلاثة أعضاء بارزين بمجلس الشيوخ الأميركي إن تمديد المفاوضات ينبغي أن يكون مصحوبا بزيادة في العقوبات على طهران، مع شرط بأن يرسل أي اتفاق نهائي إلى الكونغرس للموافقة عليه. وأضاف الثلاثة -وهم جون مكين ولينزي جراهام وكيلي أيوت- في بيان أن “اتفاقا سيئا” مع إيران سيطلق سباقا على التسلح النووي في الشرق الأوسط.

إيران تمكنت من بناء مفاعلات بحثية نووية صغيرة في أصفهان بمساعدة الصين رغم العقوبات

وتساءل عدة مسؤولين غربيين عن جدوى تمديد المحادثات من جديد قائلين إن ليس ثمة ما يدعو إلى توقع أن يبدي الإيرانيون مزيدا من المرونة المطلوبة لإنهاء المأزق خلال الأسابيع والأشهر القادمة. وشككوا أيضا في رغبة القيادة الإيرانية في التوصل لتسوية.


كيف ظهر النووي الإيراني؟


بمساعدة أميركية، أطلقت إيران، في خمسينات القرن الماضي، برنامجها النووي، وذلك في إطار برنامج «الذرة من أجل السلام». في سياق هذا البرنامج ساعدت الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية شاه إيران محمد رضا بهلوي على إنشاء منظمة الطاقة النووية الإيرانية ومركز طهران للبحوث النووية. في المقابل، ووقّعت طهران على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) في نهاية الستينات.

بتولي ريتشارد نيكسون رئاسة الولايات المتحدة(1969) زادت أهمية إيران في السياسة الخارجية لواشنطن. حيث أراد نيكسون استغلال إيران للحد من انتشار النفوذ السوفييتي لذا بدأ في دعم إدارة الشاه أكثر من ذي قبل.

في تلك الفترة، ومع بداية السبعينات، شهدت المنطقة أحداث هامة، لعلّ أبرزها الحرب العربية عام 1973، والتي كان لها أثرها الإيجابي على العلاقات الأميركية الإيرانية بعد أن رفض شاه إيران المشاركة في إعلان حظر النفط كأداة ضغط على الولايات المتحدة الأميركية.

ما هي آفاق عقد اتفاق نووي
واشنطن – استضاف برنامج الشرق الأوسط التابع لمركز وولدرو ويلسن لقاء بعنوان “آفاق اتفاق نووي مع إيران”، بمشاركة روبرت ليتواك، نائب رئيس الباحثين والعلاقات الأكاديمية في مركز ويلسن ومارك مازتي، باحث سابق في السياسات العمومية في مركز ويلسن ومراسل الأمن القومي في جريدة نيويورك تايمز، ودافيد سانغر، باحث سابق في السياسات العمومية في مركز وولدرو ويلسن وكبير المراسلين في واشنطن لدى صحيفة نيويورك تايمز.

استهل ليتوارك النقاش بالقول إن الاتفاق يجب اعتباره مقايضة بين التكنولوجيات والشفافية، موضحا أن سيطرة إيران على عملية تخصيب اليورانيوم تخلق إمكانية الحصول على أسلحة نووية. وبين ليتواك أن المفاوضات بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية زائد واحد (ألمانيا) تركّز خاصة على تمديد المدة التي تحتاجها إيران لتحويل الإمكانية إلى سلاح.

كما أصبحت المحادثات تفويضا عن وضع العلاقة الأميركية الإيرانية على نطاق أوسع، إذ تعرض المحادثات الطريقة التي قد تتفاعل بها إيران مع المجموعة الدولية في المستقبل، وكيفية تعامل الولايات المتحدة بدورها مع الدول “المارقة” أو “الناشزة” في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر2011.

وحسب رأيه يمكن أن تتمخض المفاوضات، التي تم تمديد مهلتها، عن ثلاث نتائج:

– النتيجة المحتملة الأولى هي حدوث اختراق يفيد البلدين ويسمح بالمزيد من التعاون.

– النتيجة الثانية هي انهيار للمفاوضات وليس من الضروري أن ينتج عنه ضرب إيران، لكن يمكن إعادة طرح العمل العسكري الأميركي ضد البرنامج النووي الإيراني.

– النتيجة الأخيرة فتكون بين الإمكانيتين حيث يتدبر الطرفان أمرهما دون نتيجة واضحة.

وختم مداخلته بتشجيع إيران على اغتنام الفرصة للتوصل إلى اتفاق.

واستهل دافيد سانغر حديثه بإبراز وجهتي نظر حول المسألة.

وجهة النظر الأولى يحملها مجلس الشيوخ الأميركي والكثير من الناس في إيران، وهي تتمثل في صفقة سياسية.

أما الثانية فهي طريقة تعامل الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الصفقة، أي من خلال المسائل التقنية وهو ما يعني أنها تتعلق بالفيزياء بالقدر الذي تتعلق فيه بالسياسة. وناقش المتحدث مختلف المسالك أمام إيران نحو امتلاك قنبلة نووية يجب على الولايات المتحدة قطعها. وإضافة إلى المخاوف حول المفاعلات النووية الإيرانية وقدرتها على تخصيب اليورانيوم وكمية الطرد المركزي الذي تمتلكه، أشار سانغر إلى خطر المسلك الخفي نحو امتلاك القنبلة من قبل إيران.

وأنهى حديثه بوصف ثلاث صفقات ينطوي عليها اتفاق نهائي: واحد بين المفاوضين الأميركيين والإيرانيين، وآخر بين الرئيس روحاني والمرشد الأعلى آيات الله خامينئي، وثالث بين الرئيس أوباما والكونغرس.

كافأت واشنطن طهران، التي استغلت أزمة النفط ونجحت في أن تضحّ نفطها إِلى الأسواق العالمية وبكميات هامة، بأن ساعدتها على تطوير المشروع النووي الإيراني السلمي بحجة حاجة إيران إِلى طاقة أُخرى غير الطاقة النفطية لسدّ احتياجاته من الطاقة الكهربائية. وقد قامت الشركات الأميركية ببناء عدة مفاعلات نووية في منطاق مختلفة من إيران، وعلى مرأى ومسمع من القوى الكبرى والعالم.

واستمر الدعم الأميركي لإيران التي تطوّر طموحها النووي، وبدأ شيئا فشيئا يتحوّل من مشروع سلمي إلى خطط تهدف إلى تطوير السلاح النووي. ودخلت المحادثات بين البلدين مرحلة طويلة من التعثر بعد شعور الولايات المتحدة بالقلق من التنامي الخطير للمشاريع النووية الإيرانية.


هل تغير الموقف بعد ثورة الخميني؟


بعد الثورة الإسلامية (1979)، أمر المرشد الأعلى آية الله الخميني بتجميد برنامج أبحاث الأسلحة النووية السرية، بحجّة أن هذه الأسلحة محظورة بموجب الأخلاق والفقه الإسلامي. لكن ذلك لم يدم طويلا، حيث قرر الخميني، إعادة العمل على برنامج الأسلحة النووية، خلال الحرب الإيرانية العراقية. ليتوسّع البرنامج النووي الإيراني بشكل أكبر بعد وفاة آية الله (1989) وتولي خليفته آية الله علي خامنئي منصب المرشد الأعلى، الذي يعتبر النووي الإيراني من الثوابت الرئيسية. بالتوازي مع ذلك، توتّرت العلاقة بين طهران وواشنطن، التي فرضت قيودا على إيران على خلفية احتجاز الرهائن الأميركيين عام 1979. ثم تطوّر الأمر إلى حظر تجاري كامل على طهران عام 1995.

ورغم أن العقوبات الأميركية أعاقت المحاولات الإيرانية في تطوير البرنامج النووي، إلا أن ذلك لم يمنعها من بناء مفاعلات بحثية نووية صغيرة في أصفهان بمساعدة الصين، كذلك فإن العمل قد استؤنف في محطة بوشهر -بمساعدة الشركات الروسية- منذ 2011. وفي سنة 2003، نشر التقرير الأول للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) والذي ذكرت فيه أن إيران لم تكشف عن أبحاثها النووية الحساسة وأنشطتها في تخصيب ومعالجة اليورانيوم لإنتاج وقود للمفاعلات لصنع أسلحة نووية محظورة دوليا. وفي 12 أيلول 2003 أعطت الوكالة الدولية إيران إنذارا نهائيا للكشف عن تفاصيل نشاطها النووي ومنحتها مهلة حتى 31 اكتوبر 2003. لكن إيران، ومنذ ذلك التاريخ، تجري المفاوضات بين الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، وتصرّ على أن برنامجها سلميّ.


ماذا كشف تقرير وكالة الطاقة الذرية؟


بعد وقت قصير من الكشف العلني عن الأنشطة النووية الإيرانية غير المعلنة، ذكرت “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” في تقاريرها الوقائية أن بعض عناصر البرنامج النووي الإيراني يمكن أن تُستخدم لأغراض عسكرية. وقدّم تقرير الوكالة الصادر في نوفمبر 2011 تحليلا مطوّلا للأدلة التي تشير إلى أنشطة تسلّح ممكنة تقوم بها إيران.

ويشير تقرير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أنه تم توحيد أنشطة التسلّح الإيرانية المزعومة في “خطة آماد” (AMAD Plan) التي يقودها محسن فخري زاده، وهو ضابط بارز في صفوف “الحرس الثوري” وأستاذ في الفيزياء النووية.

وتقدّر “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” أنه تمّ وقف “خطة آماد” فجأة بعد أن صدر “أمر وقف” من قبل كبار المسؤولين الإيرانيين في أواخر عام 2003 -ربما بناء على توجيهات من المرشد الأعلى آية اهل علي خامنئي-، ويرجع ذلك جزئيا إلى تزايد المخاوف في طهران بشأن الحملة العسكرية التي كانت الولايات المتحدة تقودها في العراق.

وقد حدث ذلك بعد وقت قصير من اختيار خامنئي لحسن روحاني، الذي كان في ذلك الحين الأمين العام لـ “المجلس الأعلى للأمن القومي”، ليصبح كبير المفاوضين النوويين ويدير التداعيات الدبلوماسية للكشف عن أنشطة إيران النووية السرية.


لماذا فشلت المفاوضات؟


يذكر تقرير معهد واشنطن أن إيران، وفي سعيها لمنع الإحالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، اتفقت مع فرنسا وألمانيا وبريطانيا على تعليق عمليات التخصيب وما يتصل بها من نشاطات متعلقة بإعادة المعالجة حتى يتحقق الاطمئنان الكامل بشأن الطبيعة السلمية للبرنامج، بيد أن تنفيذ الاتفاق واجه صعوبات وعراقيل منذ البداية، وفي النهاية –في يونيو 2006– انضم كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى المناقشة باعتبارهم مجموعة الخمسة زائد واحد (الخمسة أعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، زائد ألمانيا).

وطلبت إيران، في يونيو 2009، مساعدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الحصول على الوقود لتشغيل المفاعل لكن النظام لم يوافق على شروط مجموعة فيينا التي جلست للتفاوض في أكتوبر 2009، وشرع الإيرانيون كذلك في إنتاج مواد مخصبة بنسبة 20 في المئة في مرفق فوردو – وبحلول يونيو 2012- أنتجت نحو 140 كجم من سادس فلوريد اليورانيوم في ذلك المرفق وفي نطنز حيث تم تحويل بعض منها إلى أصفهان لغرض تصنيع الوقود.

اعتمدت إيران على جهاز الطرد المركزي طراز P1 لكنها اختبرت العديد من الطرازات الأكثر تقدما على الرغم من أن التقدم المعلوم كان متواضعا حتى الآن. وتنشئ إيران في أراك مفاعل ماء ثقيل مصمم لإنتاج البلوتونيوم ويمكن أن يستخدم في النهاية في تصنيع سلاح نووي.

وقد مثّل هذا المفاعل إحدى نقاط الخلاف التي صعّبت الوصول إلى اتفاق نهائي يوم 24 نوفمبر 2014؛ أما النقاط الأخرى فهي:

– حجم برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم

أعضاء بمجلس الشيوخ: تمديد المفاوضات ينبغي أن يكون مصحوبا بزيادة في العقوبات

– مدة أي اتفاق طويل الأمد

– وتيرة رفع العقوبات الدولية

– عدد أجهزة الطرد المركزي


أي مآل للمشروع النووي الإيراني؟

الجواب يمكن أن يحدَّد بحلول الموعد النهائي الجديد للمحادثات بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا («دول الخمسة زائد واحد»).

وستكون للنتائج تداعيات عميقة على الولايات المتحدة والشرق الأوسط. ويزداد الوضع تعقّدا بتعقّد الأحداث في المنطقة.

7