الطعام.. نوعا ثقافيا

كثيرون ذهبوا إلى إعادة قراءة كتب من أجل تفكيكها وفق مناهج نقدية ما بعد البنوية وما بعد الحداثة الأدبية والنقدية، كما حدث في "ألف ليلة وليلة" عندما أعيدت قراءتها وفُرزت جمالياتها الكثيرة.
الخميس 2018/11/22
يمكن أن ننظر إلى التطور الثقافي في حياة الناس عبر طعامها

تخلو معظم سردياتنا من الطعام وأصنافه وطرائق إعداده، وبالتالي من الأكيد أننا نجهل تاريخيته وثقافته وإنتاجه وفرادته في تسجيل مثل هذه الأنثروبولوجيا الاجتماعية التي قد لا تلفت الأنظار إليها، كونها من اليوميات المعتادة في الشؤون الحياتية التي لا نوليها اهتماما كبيرا مع أنه ثقافة بيئة ومجتمع يشترك فيها الأغنياء والفقراء على حدّ سواء مع الفارق الضمني في نوع الطعام وأهميته الغذائية.

الطعام نوع ثقافي يمتص مجموعة من الظواهر الثقافية ويعكسها، بتعبير الباحث كونيهان، وأنه يمثل بيئته الاجتماعية وثقافتها من أقل الزوايا إلفاتا للنظر وهي الزاوية النفسية وتفريعاتها الكثيرة في أثر الطعام على سلوكها ونشاطها العقلي، لهذا يمكن أن ننظر إلى التطور الثقافي في حياة الناس عبر طعامها وإنتاجه واستهلاكه وطريقة التعامل معه على مر التاريخ الزراعي والتصنيعي.

في الحياة اليومية للشعوب طقوس وفرائد مميزة في هذا الشق الظريف يمكن عبرها أن ترى “النوع” الثقافي لتلك الشعوب التي تتميز عن بعضها البعض بطريقة إحضار الطعام وتهيئته وطبخه ومزجه ونكهته ورائحته وطعمه بما يشير إلى هذه البيئة أو تلك. وكما أن الطعام الشرقي يختلف عن الغربي، فإنّ الطعام الذي يخضع للمنظومات الدينية السماوية والوضعية يقرر سلفا النوع الثقافي لها كما عند النباتيين من الهندوس الذين يحرّمون لحم البقر، أو تحريم أكل لحم الخنزير عند المسلمين وما إلى ذلك.

انتبه النقد منذ وقت طويل إلى مثل هذه العلائق المترابطة التي تؤدي أكثر من وظيفة ثقافية في الحياة العامة وحاولت الأنثروبولوجيا أن تقدم الشروحات الكثيرة وتعطي الفرشة التاريخية لها بما يمكّن الكاتب والناقد من أن يجترح نصوصه في توطيد صلته بمعطياتها الثانوية أو الهامشية كما نعتقدها، لذلك ذهب كثيرون إلى إعادة قراءات كتب كثيرة من أجل تفكيكها وفق مناهج نقدية ما بعد البنوية وما بعد الحداثة الأدبية والنقدية، كما حدث في “ألف ليلة وليلة” عندما أعيدت قراءتها وفُرزت جمالياتها الكثيرة في بحوث أكاديمية ونقدية في اللباس والقصائد والطعام وصنوفه في المطبخ العباسي.

لجأ بورخيس في “أسطوريات” إلى مقاطع عَرضية من حياة عامة صيغت بطريقة النص المفتوح الذي نسميه، بعيدا عن سلطة التقنيات الفنية التي تحدد مسارات النص بوصفه قصة قصيرة؛ فالكتابة الحرة الهاربة من أطواق التجنيس اشتقّت لها طريقا شخصيا لتكون بلا جنس أدبي، متحررة من قيود كثيرة، ومنفتحة على العالم والحياة بطريقتها النصية المنفردة. وليس بورخيس وحده مَن كتب خارجا عن التنميط القديم، وهكذا تحررت الكثير من النصوص التي حاولت أن تجد منهجياتها الفنية والجمالية في المرأة والحب والسينما والطعام والمهنة واللباس والعمارة والقصيدة والغناء والأعراس والريف والرائحة والألعاب الشعبية والجسد والحفريات المختلفة في ثقافات الشعوب وما إلى ذلك من مساحات كبيرة أعانت الكاتب والناقد معا في تقصي دلالات هذا اللون الكتابي الضارب في حياة الإنسان وطبيعته وثقافته الاجتماعية، كما في الطعام والمطابخ التي تحوّل المواد الخام إلى غذاء آخر لتكون مصدر رباط يومي للأسرة مثلما تكون مصدر راحة نفسية وحب وجمال في العلاقات الاجتماعية اليومية بوصفها مصنعا للسلوك الثقافي للمجتمعات ومن ثم الأفراد كما هو الثدي -مصدر الغذاء للطفل- الذي يعد مصنعا غذائيا وثقافيا للطفل.

كتابات كثيرة خرجت من إطار التصنيف القسري واستقلت تماما تحت أية تسمية ممكنة لتكون عابرة للأجناس، كما كتب الفرنسي هينيج عن تاريخ “الأرداف” والسوري إبراهيم محمود عن “جنازة المؤخرة” ودينيس روجمون عن “الحب” وكليفورد هوارد عن “عبادة الجنس” وهكذا.

14