الطعن بالمستحيل في العلاقة بين الأدب والسياسة

الاثنين 2015/05/04

يظلّ الحديث عن العلاقة بين السياسة والأدب قائما ومتجددا ومتفعّلا على الدوام، ذلك أنّ كليهما يحضران في تفاصيل الحياة ومناحيها كلّها، بحيث يستحيل فصلهما عن أيّ عنصر حياتيّ، أو إبعاد تأثّرهما أو تأثيرهما به.

ينتقل الحديث من العلاقة العطفية بينهما إلى نوع من علاقة الإضافة، كالقول سياسة الأدب، أدب السياسة، وما يمكن أن تنتجه اللغة عبر الإضافات والمجازات والاستعارات من علاقات مستبطنة ومتجسدة واقعيّا، والقول بأن سياسة الأدب تقتضي أن يتدخل الأدب، بصفته أدبا، في هذا التقسيم للفضاءات والأزمنة، وأن يتدخل في العلاقة بين الممارسات وأشكال الرؤية وصيغ القول التي تجزئ عالما أو عوالمَ مشتركة، يؤكّد المسعى إلى تحجيم اندفاع الساسة وذلك بالتركيز على وجوب حضور الأدب في ممارساتهم ومخطّطاتهم.

يذكر الفرنسي جاك رانسيير أن عبارة “سياسة الأدب” تنطوي على أن يقوم الأدب بممارسة السياسة، انطلاقا من وصفه أدبا. وهي تفترض أنه لا مكان للتساؤل في ما إذا كان على الكُتاب أن يمارسوا السياسة أو أن ينذروا أنفسهم لنقاء فنهم، بل إن في هذا النقاء نفسه ما يربطه بالسياسة. كما تفترض وجود صلة جوهرية بين السياسة بوصفها شكلا خاصا من الممارسة الجماعية والأدب بوصفه ممارسة محددة.

يفترض رانسيير أن الأدب يستخدم نظاما جديدا للدلالة، فالدلالة لم تعد علاقة إرادة بإرادة أخرى، بل هي علاقة علامة بعلامة أخرى، علاقة مدونة على الأشياء الصامتة وعلى جسم اللغة نفسه. ويصف الأدب بأنه نشر وفكر لرموز هذه العلامات المكتوبة حتى على الأشياء. في حين أن الكاتب هو عالم الآثار أو الجيولوجي الذي يجعل الشواهد الصامتة للتاريخ المشترك تتكلم. ويعتقد أن هذا هو المبدأ الذي تستخدمه الرواية التي تدعى واقعية.

يبرز رانسيير أن السياسة تعمل على الكل، والأدب يعمل على الوحدات، وأن شكله الخاص في تغيير الاتجاه يقوم على خلق أشكال فردية جديدة تفك التوافقات القائمة بين حالة الأجسام والدلالات. بحيث تتبدّى كأوراق تخفي الشجرة عن عين مالكها، ويشير إلى احتمال أن يكون الجوهر الأدبي محكوما بعدم إثبات نفسه إلا لقاء سوء في التقدير بفعل الطرح أو الجمع والحذف.

تظل أسئلة كثيرة تسعى إلى تفكيك علاقة الأدب بالحياة عموما، والنبش في تفاصيل النصوص ومرامي الكتاب ومساعيهم لخلق عوالمهم الأدبية والحياتية. من تلك الأسئلة التي تحضر في سياق البحث عن إجابات متعددة لها: كيف تتجسد الحقيقة الأدبية وأين؟ كيف يعيد الأدب قراءة التاريخ؟ كيف يخلق تاريخه الخاص به؟ كيف يعمل الأدب خارج نفسه؟ كيف يعمل في النص الفلسفي بصورة خاصة؟ كيف يحضر الأدب في السياسة؟ أين تتجسّد السياسة في الأدب؟

كاتب من سوريا

15