الطفرة الفضائية العربية تعمق أزمة الخطاب الإعلامي المضطرب

ارتفاع عدد القنوات الدينية المتوازي مع حالة الاجتياح الكمي غير المسبوق للفضائيات العربية، ساهم في تفشي خطاب العنف والحض على الكراهية، فضلا عن التحولات التي طرأت على الإعلام التلفزيوني والمنافسة التي تصاعدت حدتها خاصة لدى القنوات الإخبارية.
الجمعة 2015/05/08
الفضاء العربي حرك المياه الراكدة

عمان - طالب صحفيون وإعلاميون مختصون القنوات الفضائية الإخبارية بالتوقف عن تأجيج صراعات المنطقة، وحذروا من خطر تزايد أعداد القنوات الدينية المتطرفة في العالم العربي، التي تبث خطابات تحض على الكراهية ونبذ الآخر. وأشاروا إلى أن نسبة هذه المحطات الدينية ارتفع إلى 20 بالمئة من مجمل القنوات الإعلامية العربية، التي وصل عددها حاليا إلى نحو 1400 محطة.

جاء ذلك خلال فعاليات “مؤتمر البث الإذاعي والتلفزيوني: السياسات، التحولات، التحديات”، الذي اختتم أعماله أول أمس بتنظيم من معهد الإعلام الأردني بالتعاون مع معهد الصحافة النرويجي في عمان، وتناول جملة من المحاور التي تطرقت إلى الشكل الجديد الذي بات عليه المشهد الإعلامي التلفزيوني والإذاعي العربي منذ حالة التغيير التي اجتاحت المنطقة العربية في الأعوام الماضية.

ولاحظ المشاركون وفق البيان الختامي للمؤتمر “أن الأداء الإعلامي للقنوات الفضائية قد ساهم في إضفاء المزيد من التعقيد على مشهد التطرف بأبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية فيما قامت هذه الوسائل بتعميق أزمة الخطاب الديني، ما وفر شعورا لدى الكثيرين بأن الإعلام التلفزيوني وشبكة الإنترنت يساهمان بأشكال مباشرة أو غير مباشرة في صناعة التطرف، والأمر الخطير في هذا الشأن هو قدرة هذه الوسائل على التطبيع مع صناعة الموت عبر مشاهد الموت وجز الرؤوس والحرق”.

وكان عميد معهد الإعلام الأردني الدكتور باسم الطويسي، أكد في كلمته أن بعض الدول العربية شهدت إصلاحات تشريعية أزالت الحصار الرسمي عن الإعلام التلفزيوني والإذاعي، وأصبح هناك استثمار في هذا المجال، حيث لم يعد حكرا على القطاع العام، فضلا عن التحولات التي طرأت على هذا النوع من الإعلام الذي ظهر من خلال المنافسة التي تصاعدت حدتها في الأعوام الماضية، خصوصا لدى القنوات الإخبارية.

ولفت إلى أن من أبرز التحولات المهمة التي حدثت في الشأن الإعلامي حالة الاجتياح الكمي وغير المسبوق، حيث يوجد الآن 1400 محطة فضائية عربية، فضلا عن معدل التصاعد الكمي كل ثلاثة أعوام بعد أن كان ستة أعوام سابقا، فضلا عن التحول الخطير الذي طرأ على المشهد عبر بروز الخطاب التطرفي في بعض القنوات الدينية التي تشكل نسبتها 20 بالمئة من مجمل المحطات.

باسم الطويسي: الفضائيات العربية يجب أن تكف عن تأجيج صراعات المنطقة والتمهيد لها

وقال الطويسي إن الإعلام العربي يشهد اليوم أزمة عميقة وبات يحمل مضامين سياسية بالغة التعقيد تعكس الحالة الحرجة التي تمر بها المنطقة، ففيما حرك الفضاء العربي المياه الراكدة إلا أنه بات يلعب دورا يحرّف مضامين المهنية عن مسارها.

ودعا إلى أن تكف الفضائيات العربية عن تأجيج صراعات المنطقة والتمهيد لها، مطالبا بضرورة العمل على إزالة الثقوب السوداء التي تقيّد الحرية الصحفية.

وشدد البيان الذي صدر عن اللجنة العلمية للمؤتمر الذي شارك فيه باحثون وخبراء من الأردن ومن الدول العربية والأوروبية على أن اللحظة الراهنة التي تمر بها المجتمعات العربية قد تكون أنسب الأوقات لعمليات تحول جادة من البث التلفزيوني الحكومي إلى نموذج الخدمة العامة.

ولفت إلى أن المجتمعات العربية التي تمر بمرحلة تحول سياسي وثقافي قاسية وصراعات معقدة تحتاج إلى نموذج الخدمة العامة في البث الإذاعي والتلفزيوني لاستعادة الثقة في دور وسائل الإعلام بتقديم الصالح العام وفي تمثل المجتمعات بنزاهة، خاصة أن التجارب العالمية أفضت طوال العقود الماضية لوجود خبرات واسعة ومتنوعة ساعدت في الانتقال إلى نموذج الخدمة العامة في البث التلفزيوني، وهناك معايير وقيم عالمية مشتركة تحتاج لأي محاولة عربية والأخذ بها لعل أهمها: استقلالية هذه الخدمة وابتعادها عن التدخل والضغوط الاقتصادية والتجارية، وتوفير الضمانات الفعلية لهذه الاستقلالية عبر التشريعات ومن خلال آليات تعيين قيادات المؤسسات ومصادر التمويل وتمثيل المجتمع بكافة مكوناته السياسية والثقافية والاجتماعية.

وأوضح البيان أن الأخذ بالمعايير والقيم السابقة لا يعني وجود طريقة واحدة للتحول نحو نموذج الخدمة العامة، فهناك اختلافات واضحة في الجوانب الثقافية وفي مستوى التطور الاجتماعي والسياسي والتشريعي في كل دولة، الأمر الذي يفتح المجال لكل دولة بأن تطور نموذجها الخاص في الخدمة العامة.

ونقل البيان ملاحظة المشاركين “بوجود أزمة في استخدام المفاهيم والمصطلحات في الخطاب الإعلامي، وعلى الرغم من الإدراك بأن لا أحد يدعو إلى توحيد الخطاب الإعلامي فإن الأمر يتطلب من كل وسيلة إعلامية أن تطور أدلتها التحريرية وتقوم بتحديثها وتعلنها للجمهور وتحديدا أدلة الأسلوب التي تحدد طريقة الاستخدام”.

كما أن التحدي الحقيقي الذي يواجه وسائل الإعلام العربية في تغطية الإرهاب والتطرف هو تحد مهني، يكمن أساسا في خلق التوازن بين حق المجتمع في المعرفة والوصول إلى المعلومات، وعدم الوضوح في التطبيع مع الإرهاب والتطرف ونقل رسائل الإرهابيين.

وأشار إلى أن الأزمة المهنية التي كشفت عنها التحولات السياسية والاستراتيجية وتحديدا في البث التلفزيوني والإذاعي في العالم العربي، تثبت ضرورة الانتقال نحو المزيد من التنظيم الذاتي وربطة بالتحولات التكنولوجية والاندماج الحاصل بين الوسائط الإعلامية المتعددة والتأكيد على دور المجتمع المدني في تطوير نظم المساءلة الإعلامية.

18