الطفلة الفرنسية مارلين تفتح جرح "تل الزعتر"

الأربعاء 2013/10/02
الذاكرة قد تغفو طويلا لكنها أبدا لا تموت

لم تكن مارلين الفرنسية (40 عاما) لتفكر للحظة واحدة وهي التي ترعرعت في فرنسا في كنف أبوين فرنسيين، أن جذورها فلسطينية وأن والديها فلسطينيان من مخيم «تل الزعتر»، وأنها من الأطفال الذين نجوا من المجزرة حين كانت بعمر الأربع سنوات.

مارلين هي الشاهد الحي على المجزرة وعلى مصير الكثير من الأطفال الذين اعتبروا في عداد المفقودين. كان يمكن أن يمر مهرجان «تل الزعتر»، الذي أقيم في بيروت، بشكل اعتيادي، بحيث تتلى فيه بعض الكلمات التي تذكر بالمجزرة وتشيد بعظمة الأبطال الذين غابوا. لكن حضور مارلين في هذا المهرجان حوّله إلى حدث استثنائي.

فمارلين القادمة من فرنسا جاءت لتروي قصتها التي قد تكون بداية لفتح ملف مغلق، عمل الكثيرون على طمره، ويعتبر هذا الملف واحـدا من الملفات التي غاصت في رمال الذاكرة التي دفنت فيها كل فصول الحرب الأهلية.


أصل الحكاية


تبدأ قصة مارلين قبل ثلاث سنوات، حين أخبرها أحد أقربائها لأمها الفرنسية بأنّ عائلتها الحالية ليست عائلتها الحقيقية، وبأنها فلسطينية من مخيم «تل الزعتر» في لبنان، وأن والداها الفرنسيان تبنوها حينما كانوا في لبنان إبان الحرب الأهلية سنة 1976.

وقد تمّت عملية التبني حين كانت مارلين بعمر الأربع سنوات تقريبا من أحد الأديرة التي لا تزال موجودة في الأشرفية حتى الآن.

كان وقع الصدمة شديدا على مارلين التي بدأت رحلتها المتأخرة في البحث عن جذورها، فكانت زيارتها الأولى إلى لبنان سنة 2010 بمساعدة بعض الأصدقاء الفلسطينيين الفرنسيين. وتواصلت مع أشخاص في رابطة «تل الزعتر» في بيروت، الذين نشروا صورا لها تتضمن ثلاث مراحل من عمرها: صورتها وهي بعمر 4 سنوات حين التبني، وصورتها وهي في العشرينيات، والثالثة كما تبدو الآن.

وتمكنت مارلين من الوصول إلى العائلة المسؤولة التي أخذتها من «تل الزعتر» وأوصلتها إلى الدير.

والشخص المسؤول يدعى «هنري بطرس» متوفى الآن؛ وقد روت ابنته الحكاية: «وجد والدي مارلين مربوطة بإحدى الأشجار في المخيم، وكانت تعاني من جفاف شديد وإصابة في الرأس وكاد أن يكون الموت نصيبها، لولا أن والدي أخذها إلى الدير المذكور، الذي كان يؤمن أطفالا لعائلات لبنانية وأجنبية أبدت رغبة رسمية ومسجلة في التبني».

بقيت علاقة عائلة «بطرس» طيبة مع عائلة مارلين الفرنسية، وحينما كان أحد أفراد عائلة بطرس، يزور فرنسا، فقد كان يتردد إلى منزل أبويها الفرنسيين، من دون أن تدرك مارلين آنذاك العلاقة التي تربطها بتلك العائلة.

أنكر الدير أية صلة له بالموضوع، إلاّ أن إحدى الراهبات التي أبدت تعاطفا مع مارلين، أخبرتها بأن كل الملفات التي تتعلق بهذا الموضوع، والذي يضم الكثير من أطفال المخيم قد أتلفت ولم يبق لها أثر، وحتى الكثير من المسؤولين قد غيبهم الموت.

لكن الراهبة أكدت لمارلين أنهم أتوا بها من المخيم، وهم أشرفوا على علاجها. وحينما لم تتوصل مارلين لأي خيط يوصلها بأي عائلة فلسطينية فقدت أطفالها في المجزرة، عادت إلى فرنسا واكتفت بنشر صورتها في أزقة مخيمات بيروت. تقول مارلين: «كلما سمعت الأذان في بيروت أنصت، لأنه يحاكي صوتا بعيدا في ذاكرتي».

وتروي من حكايات طفولتها مع العائلة الفرنسية: «في كل مرة كنت أرى الخبز الفرنسي، كنت أُخرج لب الخبز، وأحاول أن أعجنه وأخبزه.. أمام نظرات استغراب عائلتي». ربما كان هذا مما حملته ذاكرتها من عائلتها الحقيقية في «تل الزعتر».


جرح مفتوح


شاءت الصدفة هذا العام، أن تعود مارلين إلى بيروت، لتلتقي بإحدى العائلات الفلسطينية (عائلة العلي)، التي فقدت في أحداث «تل الزعتر» ابنتها «فاطمة العلي» وأطفالها الأربعة ومن بينهم فتاة تدعى «فادية».

وكان لدى مارلين أمل بأن تكون تلك الفتاة، لكنّ تحاليل ADN أثبتت عدم وجود قرابة الدم. ومع هذا استقبلتها العائلة وكأنها ابنة أختهم الغائبة، وساعدوها في حضور المهرجان، لتتواصل مع أكبر عدد ممكن من العائلات الفلسطينية التي فقدت أطفالا أثناء المجرزة.

ولقد زرعت قصة مارلين بصيص أمل في قلوبهم المحروقة، حيث صار الجميع يرى فيها شبه ما بهم، بعدما فقدوا أي أمل بوجود أحياء أو ناجين من تلك المجزرة. وبدورهم، حاول أفراد عائلة «العلي» زرع ابتسامة على وجه مارلين، وتعامل الجميع معها على أنها ابنتهم المفقودة.

قصة مارلين تفتح الجرح الفلسطيني على الملأ، وجرح المفقودين إبان الحرب الأهلية، بشكل خاص. فربما كان الكثير من الأطفال الذين اختفوا ويحسبون في عداد المفقودين، لا يزالون أحياء في كنف العائلات التي تبنتهم.

ستعود مارلين بعد أيام إلى فرنسا، من دون أن تجد عائلتها الحقيقة، ولكن أصبح كل بيت ممن نجا من «تل الزعتر» هو منزلها. جرح مارلين الفلسطينية سيبقى مفتوحا، طالما لم تتم محاسبة المسؤولين عن الحرب الأهلية.

وهذا الجرح هو أحد الجروح الكثيرة التي لا زالت تنزف هنا وهناك في لبنان.

21