الطفلة روان والليبيدو السياسي

الأحد 2013/10/13
جهاد النكاح.. والهاجس المتعوي للاستبداد

كلما دقّ الكوز بالجرة كما يقول المثل، وضاق السجال الفكري وتعذر الحوار أو التحليل، لجأ الطرف الفاشل إلى التقنية الجاهزة والوصفة الأسهل للقضاء على الخصم، في المجتمعات الشرقية، وذلك بالمساس بالحامل الأخلاقي، المستند بداهة إلى ربط الأخلاق بالجنس.

إن الحجم الهائل من تناول النساء والمساس بسمعتهن لأغراض سياسية، يجعلنا نتحدث عما يمكن توصيفه بالليبيدو السياسي، حيث المتعة المتأتية من قذف الآخر وتدنيسه، لأغراض سياسية.

النظام السوري على صعيد المثال، وتدنيساً لخصومه السياسيين، راح يتفنّن في صياغة مجموعة من التلفيقات المبنية جميعها على الحامل الأخلاقي التقليدي المحصور بسمعة المرأة وتأليفها، لتصبح حكاية (نكاح الجهاد) أحد القضايا الرئيسية التي يركّز عليها الإعلام النظامي.

آخر ابتكارات العقلية الذكورية المتماهية مع الاستبدادين السياسي والاجتماعي هو البث الذي قدمه التلفزيون السوري عن الطفلة روان قداح، التي تتحدث وفق صيغة النظام عن قيام مجموعة من الرجال بممارسة الجنس معها باتفاقهم مع والدها، الذي يقوم بدوره بممارسة الفعل ذاته مع ابنته، أثناء غيبوتها.

إن هذا يأخذنا للبحث عميقاً في ثنائية معاناة المرأة العاملة في الحقلين السياسي والثقافي، الخارجة عن الحدود المرسومة لها اجتماعياً، ففي الوقت الذي قد يعاني فيه الرجل الشرقي، من اضطهاد اجتماعي أو سياسي، في حال تمرده عن المسموح به، فيتعرض لعقوبات مختلفة "الاعتقال، التعذيب، الشتم، النبذ…"، إلا أن المرأة التي تقوم بالفعل ذاته، تعاقب مرتين، لأنها إنسان " عقوبة الرجل ذاتها"، ولأنها إمرأة.

فأن يكون أحدنا إمرأة، يعني خضوعاً مضاعفاً، ومن هنا مثلاً نذكر الجمعية الفرنسية التي حملت إسم " لا عاهرات ولا خاضعات"، لأن الاختيارات المطروحة أمام المرأة الراغبة في الانخراط في الفعل العام، الوطني، الفني، الاجتماعي، محدودة، فإما أن تخضع لقانون المجتمع، أو تعهّر.

في الثورة، لم يقلّ تواجد المرأة السورية عن الرجل، الأم السورية دفعت الفواتير ذاتها التي دفعها الأب، والناشطات السوريات انخرطن في الثورة كعمل إغاثي أو نشاط مؤسساتي مدني، أو سياسي أو ثقافي، رغم كون أغلبهن من بيئات محافظة، ورغم هذا يؤثّم خروج المرأة إلى العلن، وظهورها.

ربما تكون الثورة مناسبة لإعادة إنتاج تاريخ تعهير المرأة وردّ اعتبارها من خصومها الذين يرون خطراً في مشاركتها الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.. ربما يُعاد تعريف العهر، ويُرجع إلى أصوله الجسدية الواضحة، كعلاقة بيع وشراء، الجنس مقابل المال أو التعويض المادي أو المعنوي، الجنس لا بسبب الحب أو القناعة، بل " بمقابل"، وهكذا نسقط عن نسائنا المشتغلات في حقول المعرفة، أوصافاً لا تليق بهن.

المرأة السورية حملت المشعل مثل الرجل

الأمر الذي يمهد لتأسييس وعي جمعي جديد لدى جمهور الثورة، وكذلك جمهور الطرف الآخر، بحيث لا تغدو المرأة، عامل إدانة للرجل المالك لها، فيتم الانتقاص منه، عبر إيذاء " شرفه"، ولا يؤثّم نشاط المرأة، وحراكها السياسي والثقافي والاجتماعي، فيجيّر بكسل وصيغ جاهزة، مع تعديلات لغوية حداثية، تصب جميعها في حصر المرأة كونها حاملا أخلاقيا سلبيا، أي بدلاً من تمييز المرأة بوصفها البيولوجي، إضافة لأوصافها الأخرى، كحالة خلق، فيتم التعامل معها وفق صيغ إضافية من التقدير، إنما تتهم بشرفها وأخلاقها، بهدف إقصائها أولاً، وتحقيق المتعة ثانياً عبر التلذذ الجنسي ربما، بلوك سمعتها.

لا يمكن القبول بحصر وجود المرأة بالجسد، علماً أن الجسد يتمتع بقداسة دينية وميثولوجيّة، وفق بعض الطقوس القديمة مثلاً، قدمت المرأة جسدها من أجل الدين، أو الإيمان.. فعاهرات المعابد هن النساء اللواتي يقدمن المتعة للرجال في المعابد، وقد حظين آنذاك بالتقدير وعوملن كقديسات، لأنهن يقدمن المتعة للآخر لخدمة المعبد، لا لمتعتهن الشخصية، ورغم قسوة هذه الصورة على المرأة، إلا أنه فقط للتذكير بأن العهر، ليس توصيفاً للرداءة أو الشر، أو الحط من قيمة المرأة، بل هي الوصفات الجاهزة التي يستخدمها الذكور. ويمكن أيضاً التوقف عند صورة ماريان التي خُلدت ممسكة بعلم فرنسا، عارية الصدر، في لوحة دولاكروا ( الحرية تقود الشعب).

إن أهمية العمل الثوري، والتفكير الثوري، يأتي من تكريس شرف المرأة، عبر تحويل مفهوم الشرف التقليدي الشرقي، ونقله من شرف الجسد، إلى شرف العقل، ربما هكذا نرتقي على وصفات النظام المستبدة، وهو يشرّح لنا من فترة لأخرى، نساء الثورة، على أنهن " مجاهدات نكاح".

مع أن الخطاب السياسي الذكوري لتحقير المرأة الخصم، أو نساء الخصم، لا يقتصر على النظام، بل على الطرف المقابل أيضاً، حيث يُفاجأ أحدنا بآراء منسوبة إلى (مثقفين) معارضين ينهلون من النبع الفكري البطريركي ذاته الذي ينسب قيماً وأحكاماً أخلاقية إلى إثنيات ومجموعات بشرية وتجمعات أنثروبولوجية، وتصنيفها جميعاً وفق معايير مزاجية، ذاتية، انفعالية، يتواطؤ الآخر في تبنيها واقتسام المتعة من خلالها، فيكون الحديث عن النساء هو الهاجس المتعوي المشترك بين الجميع.

____________


* كاتبة سورية مقيمة في باريس

11