الطفل أبو الرجل والطفولة هي الإرث الفادح

“لم يزل مجلسي على تلّي الرمليّ يصغي إلى أناشيد أمسي/ لم أزل طفلة سوى أنني قد زدت جهلا بكنه عمري ونفسي”، لعل نازك الملائكة قد عبرت بهذين البيتين عن تلك الـ”ثيمة” الأثيرة لدى المبدعين، وهي استدعاء الطفولة فيما يكتبون، وهي النزعة ذاتها التي قصدها توفيق الحكيم بقوله ”ما الفنان إلا إنسان احتفظ ببعض قوى الطفولة”، فما هي دوافعهم لذلك؟ هل تكمن فقط في الحنين إلى ماض يرونه جميلا أم ماذا؟ في هذا الاستطلاع نقدم آراء كتاب مصريين في هذه الثيمة الأثيرة.
الاثنين 2018/01/22
الطفل لا يغيب أبدا لدى المبدع (لوحة للفنانة سارة شمة)

يرفض القاص سعيد الكفراوي القول إن العودة إلى الطفولة رد على قبح الواقع ورثاثته، “ففي ورود نبع الطفولة اكتشاف لمناطق جديدة لم يطأها الأدب العربي من قبل، مناطق شبه مجهولة، يفضل ارتيادها، والطفولة بالنسبة إليه ليست كما يراها البعض مرحلة ما بعد الفطام، بل هي مرحلة الشفافية المبكرة، فترة اكتشاف البكارة، وبالتالي فاللجوء إليها إبداعيا ليس نوعا من النوستالجيا، إذ أن استعادة الماضي في الطفولة تمثل استعادة لإمكانيات كامنة في تضاعيف هذا العالم، وفي مواجهة الانسحاق وهزائم الروح والجسد لا بد من استعادة الطفولة لنحافظ على أرواحنا”.

أبو الرجل

يقول الكفراوي “الطفولة نافذة على مكان، ومرجعية لحياة تعيش في القلب، وقديما قالوا الطفل أبو الرجل، وقد عشت طفولتي بين الكبار، ذقت آلام الضرب بجريدة النخيل، وشيعت جنازة الطفلة الشيخة الطاهرة، ورأيت في فتحة القبر عظام الأموات وجماجمهم، فانفطر قلبي ودفعني المشهد طوال عمري لأكتب عن إحساس الرحيل، وعرفت الطريق إلى السينما، فكنت أنتقل من قريتي إلى المدينة وأعود آخر الليل، والكلاب تطاردني، الطفولة هي الإرث الفادح عن الماضي، ودائما ما تخايلني وصية خوسيه ساراماغو الكاتب البرتغالي حين يقول ‘أطلق زمام أمرك للطفل الذي كنته‘، والطفل عندي يمثل فيما كتبته متنا طويلا في العديد من القصص، من خلاله تعرفت على الدهشة”.

أما الروائي إبراهيم عبدالمجيد فيقول “في بداية عهدي بالكتابة تراكم على مرحلة الطفولة تراب وصدأ، ربما لانحيازاتي وتوجهاتي السياسية والاجتماعية، لكن في ما بعد ولأسباب كثيرة، رأيت أن كتابة قصة جيدة أهم من أي مشاركة سياسية، فكانت العودة إلى الطفولة وسيلة من بين وسائل عدة لجأت إليها لتخليص الفن من وطأة السياسة. وقد بدأ ذلك عندي من رواية ‘المسافات‘، كذلك في ‘ليلة العشق والدم‘ و‘الصياد واليمام‘، وفي القصة القصيرة هناك مجموعة ‘الشجرة والعصافير‘، وقصص قصيرة جدا بعنوان ‘حكايات البراءة‘.. هذا بالنسبة لتجربتي ، أما عن الآخرين فيمكن إضافة إلى ما سبق تفسير ولع الكتاب بالرجوع إلى طفولتهم بالرغبة في مقاومة جهامة الواقع، كما أن طزاجة المرحلة تكسب الكتابة عنها طزاجة وألقا”.

كل إبداع جميل يستمد قدرته على إحداث الدهشة من تلك النزعة الطفولية عند مبدعه التي لا تموت مطلقا

أما الروائي محمود الورداني فيقول “سبب شخصي تماما جعل الطفولة تحتل حيزا في كتابتي، فقد عشت طفولة غنية متنوعة، وخضت تجارب عديدة في مرحلة متأخرة من طفولتي، كان فقدي لوالدي وأنا ابن سنتين سببا لخوضي تجارب طفولية قاسية قادتني إلى الاصطدام المبكر بالعالم”.

ويضيف “ليست ثمة براءة في طفولتي ولا عالم وردي أسعى إلى استعادته، بل مواجهة محتدمة، وحرق مراحل سنية بكاملها دون المرور عليها، وقد يكون صحيحا ما يدعيه البعض من كون لجوء الكتاب إلى مرحلة الطفولة احتجاجا على قبح العالم وقسوته، لكن أضيف أن الكتاب الذين لجأوا إلى الطفولة جاؤوا في وقت الهزائم الكبرى والفقدان وغياب الأطر المرجعية وسقوط الرموز، لكن الأمر ليس مجرد احتجاج سطحي على قبح الواقع لكنه أكثر تركيبا وتعقيدا”.

أيضا مشاعر اليتم لونت طفولة القاص والمترجم حسين عيد الذي يقول “في السابعة من عمرى فقدت أبي وهذا كان الحدث الأهم الذي شكل طفولتي، فانطلقت في كتابتي من الموت، وأجمل قصصي تلك التي تناولت فيها الموت من وجهة نظر طفل، بكل ما يكتنف ذلك من سوداوية، كما في مجموعتي ‘لو تظهر الشمس‘. وأعتقد أن طفولتي هي التي حددت انتمائي الشعبي بشكل جذري، وهي التي عمقت الهم الاجتماعي الموجود في قصصي”.

القلق والحنين

يؤكد الروائي والتشكيلي ناصر عراق أن طفولته لم تمنحه نصا إبداعيا، لكن ثمة شذرات طفرت منها في رواياته، ويصف طفولته بأنها كانت فترة قلقة، فذكرياته البعيدة محصورة بين نكسة 67 التي وقعت وهو في السادسة من العمر، فامتلأت طفولته بمفردات غريبة بالنسبة إلى طفل تناثرت من أحاديث أبيه مثل حرب الاستنزاف وحائط الصواريخ، ولما رحل جمال عبدالناصر دون سابق إنذار شاهد الطفل دموع أبيه للمرة الأولى، بعدها نشبت حرب أكتوبر، وكان للطفل أشقاء أنهوا تعليمهم الجامعي وانضموا إلى الجنود. هكذا كان بناؤه النفسي وانتقاله من طور إلى آخر حاملا معه قلقه، لينقله تاليا إلى قلق الكاتب.

في حين يبوح القاص شريف صالح بأن “ثيمة الطفولة تلح علي كثيرا، ربما في كل مجموعة قصص لي تجد نصا ينتمي للطفولة لأنها تشكل حياتي. فمازلت أعيش طفولتي إلى الآن، بكل رصيدها من الدهشة والبراءة وأيضا اللهو، الطفولة فردوسنا المفقود”.

ويتحدث الناقد الدكتور حسام عقل مفسرا تأثر المبدع بمرحلة طفولته أن “الطفولة بمعناها وليس بمرحلتها العمرية وثيقة الصلة بالإبداع عموما وبفنون السرد خصوصا، فالإبداع حلم يسعى للتحقق، وخيال يروم التجسد، وشغف للاكتمال وكل هذه المعاني كامنة في الطفولة، كل منا بداخله ذلك الطفل الفاغر فاه دهشة ونزقا، ينتظر المبدع الذي يخرجه على الورق، وأرسطو حين قال بالمحاكاة كماهية للفن كان يفسر دافعيتها كغريزة أي ليست متولدة عن تجربة وإنما هي نتاج للطفولة كمعنى ووظيفة، كذلك عند الرومانسيين وحتى عند السرياليين، فغاستون باشلار مثلا أرجع شعرية رامبو إلى طبيعته الطفولية”.

14