الطفل أول من يبدع الموسيقى

موسيقى الأطفال بمختلف مستوياتهم العمرية صناعة عالمية بقي العرب متأخرين عنها، لذلك نجد أطفالنا يتجهون لسماع الغناء الإنجليزي أو الفرنسي أكثر.
الخميس 2020/09/03
أعظم صانع ألحان موسيقية هو الطفل

يقال إن الطفل يولد وهو يبكي، أعتقد أنه يولد وهو يغني ولكن بصوت باك، فبفطرته يستقبل الحياة بإحساس استثنائي بالإيقاع الذي هو أحد نواميس الكون في تشكلاته الأولى، وقد يكون المولود حمل معه صدى ما استمع إليه قبل أن يولد، نبضات قلب أمه أولا، ثم ما التقطه وهو في رحمها من إيقاعات حركتها وحديثها وغنائها التي ستنعكس عليه
لاحقا.

هدهدة الرضيع في حد ذاتها تحمل إيقاعا عادة ما يرتبط بغناء الأم الذي يساعده على النوم والسكينة، تلك الحالة قادرة على أن تجعل نبضات القلب لديه تنخفض، كما ترفع من قدرته على تجاوز الآلام، وتساعده على تنمية دماغه ومناعته، وتقول أخصائية التربية الموسيقية إيفا فابيني “يفهم الرضع الكثير من خلال نغمة الصوت وحركات الوجه وهي أمور كافية لنقل حالة مزاجية كاملة”.

أحسب أن أعظم صانع ألحان موسيقية هو الطفل، أو من كبر دون أن يغادر روح الطفولة، أو ربما من يستطيع أن يلتقط من الأطفال نغماتهم وخاصة في الفترة ما بين العامين والخمسة أعوام، أولئك الصغار مهما اختلفت ألوانهم وأعراقهم وتباعدت أوطانهم يرددون تقريبا نفس الجمل الموسيقية التي تصدر عنهم، أصواتهم في سنوات الطفولة الأولى هي التجسيد الأفضل لوحدة البشرية.

وأعتقد أن تلك الجمل القصيرة المختصرة هي روح النغم في سذاجة قادرة على منح الخلود لمن يقدر على التقاطها وتحويلها إلى أثر فني متكامل دون أن يخرج به عن منحاه الطفولي، إن مجرد الاستماع إلى طفل وهو يدندن يمكن أن يلهم أي فنان بدايات الخيط الذي يقوده نحو الإبداع القادر على تجاوز حدود المكان والزمان.

بالنسبة للطفل المتلقي، أظهرت دراسة تلو الأخرى أن الاستماع إلى الموسيقى – من الرحم وحتى بداية البلوغ – يزيد نشاط الدماغ وحركة اللسان عند الأطفال، ومن الفوائد المرتبطة زيادة تيسير التعامل مع اللغة والاستدلال حيث أن الروابط الأقل وضوحا هي في الواقع أكثر عمقا، ويعد استكشاف مفاهيم الموسيقى كتمرين، سواء من خلال الغناء أو الآلات أو الأنشطة الحركية – ذا قيمة عالية لتأثيرها الأكاديمي والاجتماعي والعاطفي.

تظهر الدراسات الحديثة أن تعليم الموسيقى قد تنتج عنه زيادة مهارات القراءة، وتعزيز الوصول إلى التعاطف، والمزيد من التمييز والفهم للنية والدافع، والمزيد من المرونة المعرفية والتركيز، إضافة إلى تنسيق بدني أكثر تطورا بما في ذلك التوازن والمشي.

كما يساعد التعرض للموسيقى في نحت المسارات العصبية في أوقات محددة من نمو الدماغ، ما يزيد بشكل دائم من قدرة الدماغ على عمل أنواع معينة من الاتصالات، لذلك قد لا تجعل الموسيقى الطفل أكثر ذكاء فحسب، بل ربما تجعله أيضا أكثر لطفا وتنسيقا بدنيا وأفضل تواصلا.

وموسيقى الأطفال بمختلف مستوياتهم العمرية صناعة عالمية بقي العرب متأخرين عنها، لذلك نجد أطفالنا يتجهون لسماع الغناء الإنجليزي أو الفرنسي أكثر، لأنه مبني على أسس علمية ونفسية تلامس فطرتهم وتعبر عنها دون أن تحاول جرحها بالنصائح والإرشادات والخطاب الأيديولوجي الذي عادة ما تضج به إنتاجات فرق الكورال التي تدار من قبل الكبار وفق توصيات مؤسسات الدولة.

فمن يلتفت إلى موسيقى الأطفال بالشكل الذي ينطلق منهم ويعبر عنهم لا عن المتاجرين بها أو حامليها إلى مناخات العقائد والأيديولوجيات؟

24