الطفل الأول في الأسرة مولود مبارك يستأثر بالدلال والمناصب

حقيقة أم مبالغة، عدد كبير من الرؤساء والقادة والمشاهير والأدباء والعلماء، الحائزين منهم على جوائز نوبل، كان ترتيبهم الأول في العائلة.
الأربعاء 2015/08/12
الطفل الأول فرصته أكبر من إخوته في النهل من الموارد الثقافية المتوافرة في بيئة المنزل

تنطوي فكرة تفوق الابن الأول في العائلة في شتى مجالات الحياة على بعض المبالغة لكنها تبقى قائمة وموثقة بفعل العديد من الدراسات الحديثة، التي تناولتها كظاهرة جديرة بالبحث.

وتؤكد هذه الدراسات على أن الطفل الأول في الأسرة يميل إلى كسب مزيد من النقود عندما يكبر مقارنة بأشقائه الأصغر سناً، في حين يظهر تفوقه العلمي بصورة واضحة كما تزيد احتمالات تسلمه مناصب علمية وشرفية عليا، مثل رئيس دولة أو رئيس وزرائها أو قد يكون من المرشحين لنيل جائزة نوبل في شتى المجالات الإبداعية، فيما يقل نصيب أشقائه الأصغر من هذه الميزات، إضافة إلى أن هذا المولود (المبارك) قد يعيش عمراً أطول من أشقائه، على الرغم من وجود البيئة الوراثية والاجتماعية المشتركة.

ويؤكد الدكتور رولاند ريجيو؛ كاتب أميركي وأستاذ علم النفس القيادي والتنظيمي ومدير معهد غرافيس للريادة في كلية كليرمونت ماكينا، على أن الأبحاث في هذا الجانب تعيقها الكثير من الصعوبات إذ أن الاختلافات بين الأشقاء، تتشعب إلى ما لا نهاية من العلل والأسباب قد يتعلق بعضها بالوراثة والبعض الآخر بالبيئة، إلا أن الاعتقاد الشائع يقول بأن المواليد الأوائل في الأسر هم الأكثر تفوقاً وينطبق هذا الأمر على الأبناء الوحيدين لأسرهم، وفي تبنينا لهذا الرأي نبدو مدفوعين بحكم التعوّد أو ما يسمى بـ”التحيز المسبّق”، فيما يدفعنا تركيزنا على هذه المسلمات إلى إهمال مدى النجاح والشهرة التي حققها أبناء أسر كانوا في ترتيبات لاحقة في سلّم الولادة، حيث الأدلة والأمثلة واضحة أيضاً، من دون أن نتجاهل عنصرا آخر لا يقل أهمية عن ذلك وهو حجم الأسرة وعدد الأطفال، فالأسر الصغيرة تمتلك ثراء أكبر من حيث مصادر المعرفة في ما يتعلق بحصص الأبناء من هذه المصادر، في حين تقل هذه الميزات كلما كبر حجم الأسرة.

الاختلافات بين الأشقاء، تتشعب إلى ما لانهاية من العلل والأسباب قد يتعلق بعضها بالوراثة والبعض الآخر بالبيئة

وعموما، يرى ريجيو بأن هنالك بعض الأدلة البحثية التي تؤكد بأن ترتيب ولادة الطفل يؤثر في مستوى ذكائه، حيث يسجل المواليد الأوائل نسبا أكبر، كما أشارت دراسات أخرى إلى أن المواليد الأوائل في الترتيب الأسري ينجذبون في العادة إلى أقرانهم الأوائل، في حين يميل المواليد الذين يأتون في تراتيب متوسطة ضمن أطفال الأسرة إلى عقد صداقات مع أقرانهم من نفس الفئة، لكنها تبقى دراسات متباعدة وقليلة ولا تتعرض إلى عينات كبيرة.

إلى ذلك يرى مارك ترافرز؛ كاتب وأستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة كولارادو الأميركية، بأن الطفل الأول يتمتع -أيضاً- بمهارات واضحة في تعلم اللغة الثانية (إضافة إلى اللغة الأم)، بحسب ما أشارت إليه دراسة جامعة بازل في سويسرا بإشراف الدكتورة كارين كيلر.

ورصدت الدراسة عينة مكونة من 1209 أطفال في أعمار تراوحت بين سنتين ونصف السنة إلى ثلاث سنوات، من أبناء المهاجرين اللذين يعيشون في منطقة سويسرية ناطقة بالألمانية.

وتم إرسال بيانات استطلاع لأهالي الأطفال بواسطة البريد الإلكتروني، ليدونوا تقييمهم في ما يتعلق بمستوى تعلم أبنائهم اللغة الثانية إضافة إلى مجموعة من الأسئلة الشخصية تتضمن، عدد الأطفال في الأسرة وترتيبهم في الولادة، مع تبيان مدى مهارة الوالدين في اللغات وعدد الكتب المتوافرة في المنزل.

بعض الأدلة البحثية تؤكد بأن ترتيب ولادة الطفل يؤثر في مستوى ذكائه، حيث يسجل المواليد الأوائل نسبا أكبر

وأظهرت نتائج الاستطلاع بأن الأطفال الذين ينتمون إلى عائلات فيها عدد كبير من الأشقاء، تتراجع لديهم مهارة تعلم اللغة الأجنبية الثانية مقارنة بالأطفال الذين يمتلكون عددا أقل من الأشقاء، ويرجع ذلك إلى أن العائلات كبيرة العدد من المهاجرين أكثر ميلاً للاحتفاظ بلغة وثقافة أوطانهم الأصلية كما أن العدد الكبير من الأطفال في الأسرة الواحدة، يعني وقتا أقل للاهتمام بهؤلاء الأطفال في ما يتعلق بتعليمهم عموماً، إلا أن الباحثين وجدوا بأن الطفل الأول في هذه الأسر، عموماً، يمتلك مهارة أكبر من أشقائه الأصغر في تعلم اللغة الثانية.

ولدى تحييد العنصر الوراثي، يعتقد الباحثون أن للبيئة تأثيرا كبيرا في التباين الذي أظهرته النتائج حيث أن الطفل الأول كانت فرصته أكبر من إخوته في النهل من الموارد الثقافية المتوافرة في بيئة المنزل، إضافة إلى اهتمام الوالدين، إذ أن أي طفل جديد في العائلة يعني مشاركة أكبر في هذه الموارد وهذا يعني تراجع الفرص بسبب المشاركة الكبيرة، وبالتالي، التراجع أو التقليص في أساسات التنمية الفكرية التي تبنى عليها كل مبادئ التعلم والمعرفة والثقافة لاحقاً.

وتؤكد كارين كيلر، المشرفة على الدراسة، بأن الأسر الكبيرة حتى وإن توافرت لديها موارد مالية ولكنها لا تفي بالغرض بسبب حجم المسؤوليات وعدد الأفراد وهذا بالطبع يؤثر سلباً في مستوى تنمية أبنائهم، كما أن هذه النتائج إذا ما عممت فمن شأنها أن تمنح ذريعة للأبناء الذين ولدوا لاحقاً لأسرهم، حين يواجهون الإخفاقات في حياتهم العلمية والعملية وهذا الأمر غير مشجع.

21