الطفل الاستهلاكي.. أزمة في المنزل سببها الإعلانات

مع الإعلانات المتدفقة عبر شاشات الفضائيات والأجهزة اللوحية يتحول الطفل البريء، إلى كائن استهلاكي شره.
الأحد 2018/02/25
طلبات لا تنتهي يجب ردعها

وفقا لعلماء في النفس والاجتماع، فإن السلوك الاستهلاكي لدى الأطفال هو سلوك طبيعي، وبصفة خاصة في المراحل التي تشهد تفتح وعي الصغار على عالم جديد يروه لأول مرة، لكن الخطير في هذه الظاهرة هو أن الفترة الأخيرة شهدت انقلابا في طبيعة السلوك الاستهلاكي للأطفال بشكل مبالغ فيه وبطريقة تهدد ميزانية كل أسرة، خاصة العائلات محدودة الدخل والتي يعتمد أولياء الأمور فيها على مداخيل ثابتة.

وعلى الرغم من أن المتغيرات التي دخلت مؤخرا على حياة العائلات التي لديها أطفال والمتمثلة في انتشار عالم الإنترنت والفضائيات، وما تضمّنه من مواد تحضّ على الزيادة في الاستهلاك، إلا أن خبراء علم الاجتماع والباحثين في سلوك الطفل يؤكدون على أن العامل الأكثر تأثيرا في هذا المجال هو ما يتعلمه الطفل من سلوكيات داخل محيط الأسرة وما يتلقاه من تعليم بواسطة الأب والأم، بالإضافة إلى احتكاكه بأقرانه من الأطفال في المدرسة والنادي ومحيط السكن الذي تعيش فيه الأسرة.

وتحذّر سحر أحمد كامل الباحثة في مجال الخدمة الاجتماعية في مصر من أن انشغال الأسرة عن الطفل، هو الذي يولّد شخصية الطفل الاستهلاكي فالسلوك الاستهلاكي للأطفال زائد بعض الشيء عن الحد، لكنه في إطار التطور الطبيعي، مشيرة إلى أن أي إنسان في أي مرحلة عمرية يشاهد شيئا جديدا أو منتجا جديدا يحب أن يشتريه من باب الفضول وحب الاستطلاع، لكن مع ذلك فإن هناك عدة قواعد تحكم العملية الشرائية، ويتحكم فيها النمو العقلي والمرحلة العمرية.

وأضافت أن الطفل لا توجد عنده أي معايير للحكم على الأشياء ومدى جدواها ولذلك عندما تجذبه أي سلعة يشاهد إعلاناً لها في التلفزيون يستخدم كافة أساليب الضغط على أسرته لشرائها، لكن المشكلة هنا في عدم توجيه الأسرة الطفل لشراء ما يفيد، فمثلا في مجال اللعب يجب أن تشتري الأسرة لطفلها اللعب التي تنمّي مهاراته وقدراته لا أن تحضر له أي شيء فهذا دليل على عدم اهتمام الأسرة بطفلها ومعاملته بصورة لا تحترم ذاته.

مع انتشار الفضائيات والإنترنت، وما تحتوي عليها هذه العوالم المرئية والافتراضية من إعلانات استهلاكية نشأ جيل جديد من الأطفال الذين يميلون إلى الاستهلاك بشكل يهدد صحتهم العضوية وحتى النفسية، فمع الإعلانات المتدفقة عبر شاشات الفضائيات والأجهزة اللوحية يتحول الطفل البريء، إلى كائن استهلاكي شره، لا هم له إلا أن يشبع الرغبات الاستهلاكية التي تظهر له كل يوم من خلال موجات الإعلانات التي تلعب على براءة الطفل وفضوله وحبه لكل جديد

كما أن الأطفال حتى سنّ الرابعة لا يعرفون أن المنتجات التي يعلن عنها التلفزيون يمكن شراؤها، دون أن توجه الأسرة نظرهم إلى ذلك، ومما يزيد الأمر سوء أن السنوات الخمس الأولى في حياة الطفل هي أهم المراحل في تكوينه وهي التي تتكون فيها شخصيته، والخطورة أن يتطور هذا السلوك عند الطفل في مراحل متقدمة لنجد جيلا من الاستهلاكيين ذوي الشخصيات الأنانية.

ومن ناحيتها أشارت هبه السمري أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة إلى عامل آخر مسؤول عن سلوك الطفل الاستهلاكي، معتبرة أن التلفزيون هو المسؤول عن ثورة تطلعات الأطفال، فهو يملك عناصر جذب للأطفال منها الصورة المتحركة، والصوت واللون وقد أثبتت معظم البحوث أن الإعلانات تشجع الأطفال بصفة كبيرة على الاستهلاك، ويؤثر سلوك الطفل على قرارات الأسرة الشرائية. وأشارت إلى أن هناك بعض الدول التي أدركت مدى خطورة تأثير التلفزيون على الطفل مثل دولة السويد، فعلى الرغم من أن التلفزيون جهاز تجاري إلا أنه يمنع توجيه إعلانات للأطفال، نظرا إلى أنهم في مرحلة عمرية تجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرار سليم مما يؤدي إلى التأثير السلبي.

ونبهت إلى أن المشكلة يمكن أن تتضخم إذا استمر الانقياد وراء الإعلان الذي أصبح يشمل كل شيء، كما أن هناك برامج مكفولة تموّلها شركات الإعلانات، وحتى نحمي أطفالنا من التأثير السلبي للإعلان يجب أن تكون هناك وقفة، فلا بد من التخطيط بطريقة سليمة.

الطفل لا توجد عنده أي معايير للحكم على الأشياء ومدى جدواها ولذلك عندما تجذبه أي سلعة يستخدم كافة أساليب الضغط على أسرته لشرائها

وأوضحت قائلة “حقا إن التلفزيون لا يستطيع أن يستغني عن الإعلان لكن يجب ألا ننقاد وراءه بطريقة غير واعية، فلا بد من منع الإعلانات التي توجّه للأطفال في برامج الطفل وهذا ليس ضد مبدأ حرية الرأي، وإنما لحماية الطفل كما يجب أن يعود للأسرة دورها ورقابتها على ما يتعرض له الطفل، وكذلك يجب على المدرسة أن تقوم المناهج بتوعية الأطفال. كما أن المدرّس له دور في هذه التوعية ومناقشة كل ما يراه الأطفال في التلفزيون، لحماية الأجيال القادمة من الانقياد وراء النزعات الاستهلاكية”.

ومن جانبه حذر الدكتور فكري عبدالعزيز استشاري الطب النفسي من أن مرحلة الطفولة من أخطر المراحل في إعداد وبناء الإنسان، وأنه يمكن تقسيم هذه المرحلة إلى مرحلة الرضاعة وهي منذ الولادة وحتى سنتين ومرحلة قبل المدرسة من 2 إلى 6 سنوات ثم الطفولة المتأخرة حتى 12 سنة، والطفل في مرحلة ما قبل المدرسة استهلاكي ليس بإرادته، محب لذاته، وأناني، ودائما يريد كل شيء. وعندما يكبر الطفل، ويدخل في مرحلة الطفولة المتأخرة يحدث التمييز واكتساب الخبرات من الأسرة والمدرسة، فالأسرة التي تمنح الطفل الدلال الزائد وتلبي دائما كل طلباته يصبح استهلاكيا وبالتالي تكون الأسرة هي السبب في إفراط الطفل في الطلبات.

وشدد عبدالعزيز على ضرورة التعامل مع الأطفال من منطلق معرفة أن خير الأمور الوسط خاصة في فترة الطفولة المتأخرة، حيث يكتسب الطفل الخبرات، وباتباع أسلوب الثواب والعقاب يمكن اكتساب الطفل العادات الاستهلاكية الصحيحة. لكن إن تكون كل الطلبات مجابة، والانقياد وراء ضغوط الأبناء فهذا السلوك سيستمر مع الطفل في مراحل المراهقة والشباب ومن هنا سيصبح عندنا شاب أناني وغير عاطفي لا يعتمد عليه، وفي النهاية تجني الأسرة ثمرة تدليلها الزائد لطفلها وترك حمايته في صورة ابن استهلاكي وأناني بلا مشاعر أو عواطف ولا يهتم باحتياجات من حوله.

21