الطفل البريطاني وأنا وبعض الفن الحديث

الجمعة 2015/09/11

لم يفهم الطفل، ابن العاشرة، انبهار والديه ومجموعة من زوار متحف البرادو بمدريد، أمام لوحة مستطيلة الشكل لا خط عليها ولا لون سوى البياض المطلق. لنتحرك قال، وهو يجذب يد والدته الشقراء، معلقا بلهجة إنكليزية جميلة ناقدة، ليس هناك شيء، كل اللوحة بياض. فيمَ تحدّقان؟ ابتسم كل من سمع نقده الفني البريء اللاذع للوحة المعلقة في تلك القاعة المهيبة.

وضع الأب يده على رأس الطفل الأشقر الأنيق بحنان مبتسما، هو الآخر، ثم واصل ثلاثتهم مسيرتهم في قاعة العرض، وراحت الأم وبصوت خافت، احتراما لقدسية المكان، تشرح لفلذة كبدها تجربة الرسام وقيمة اللوحة التي لم ير فيها سوى ذلك الإطار المستطيل الشكل الملون بالأبيض.

لو لا احترامي لحميمية العائلة لكنت اقتفيت أثرها واسترقت السمع، لعلي أشبع فضولي وأعرف من خلال ما تقول السيدة حول اللوحة ما يراه متذوقو الرسم الحديث في مثل هكذا لوحات، بعيدا عن آراء النقاد والمتخصصين التي لم تقنعني إلى حدّ الآن. فأنا شخصيا أتساءل مثل ذلك الطفل الإنكليزي بل وأميل إلى نظرته للفنون الجميلة، ولا أخفيكم سرا إن قلتأنني أنا أيضا وجدت اللوحة لا لوحة، مثله تماما.

وعموما أشعر دائما بنوع من العسر الجمالي أمام كثير من اللوحات المنتمية إلى الفن التشكيلي المعاصر، إذ مازلت أنظر إلى العمل الفني كمثير فريد للعواطف والانفعالات واحتفاء بالحياة وبهجتها، لا كخطوط وألوان مشفرة أو كألغاز مستعصية الحل.

وبغض النظر عن ضرورة التجريب في الفن المعاصر، وأهمية بعض الابتكارات المتمردة على مجمل الموروث الفني الأوروبي، فلا تجد العين في بعض اللوحات ما ترى ولا بما تتمتع، كاللوحة التي نحن بصدد الحديث عنها وغيرها كثير. فهل المشاهد للوحة هو المطالب بتخيل ما هو غير مجسد، أو هو المدعو لرسم ما يريد في ذهنه، أو بالأحرى كي يملأ الفراغ؟ فهل عجزنا -أنا والطفل الإنكليزي- على التناغم مع اللوحة بسبب نقص لدينا من تكوين فني ما؟ وإن كان كذلك فما الجدوى من فن موجه للمتخصصين فقط؟

وهل تلك اللوحة لوحة فنية أم فخ منصوب للباحثين عن الجديد بأي ثمن ومورد رزق للمسترزقين من بيع الأوهام؟ كان أندري مالرو يقول عن السينما: إنها فن ومن جهة أخرى هي صناعة أيضا.

ألا يحق لنا أن نبالغ اليوم ونقول أن بعض التشكيل صناعة ومن جهة أخرى فهو تجارة أيضا؟ فهل أصبح الجمال مجرّد فرية بورجوازية كبرى، كما يقول الفيلسوف نيتشه؟

كاتب من الجزائر

14