الطفل الذي لا يشبهنا

السبت 2015/04/18

مثل تلميذ مشاكس في مدرسة، يصطاد الفرص فيتطوع للمشاركة في أي شيء وكل شيء للتهرب من جدول الدروس المملة، لكن المدرسة نمت فأصبحت وطنا جريحا ينوء بأثقال الحروب وتحول أهله بين رصاصة وأخرى إلى قافلة جديدة من جياع ومشردين، لذلك فهو ما زال أول المتطوعين وأول المشاكسين.

كل يوم ووسط هذا الضجيج الذي يتكاثر من حوله، ينهض الفتى الطيب الوديع من رماد الفجيعة كما ينهض غصن شجرة ندي من بين شقوق صخرة منسية، فيبدأ عمله الدؤوب في زاوية معتمة يقبع فيها منذ سنوات، ينثر بذور الحب على أرض كالحة وينتظر، علها تنبت براعم أمل جديد.

سفير سلام وناشط إنساني، ألقاب شرفية لا يحبها أحمد آغا، فهي عندما سقطت عليه -سهوا- كانت مثل معطف ثقيل فقد طريقه إلى كتفي طفل نازح، وهو عصفور حالم لا يقوى على حمل الأغلال.

في العام 2013 كانت صور معاناة وموت اللاجئين السوريين في البرد القارس، مشهدا أكبر من أن يستسيغه خياله المتعب فسارع وأطلق العنان لحملة (دفيني) الإنسانية، جمع من خلالها ووزع آلافا من الأغطية والمدافئ للاجئين ومنذ ذلك الحين، تتبع آغا خيط الدخان الذي تولده الصراعات في بلده العراق وسلك ورفاقه أخطر طرق الموت محملين بالإعانات إلى سكان المخيمات التي تكاثرت وانشطرت حتى أتخمت زوايا المدن وحواشيها، فاتخذت الحملات الإنسانية التي شارك فيها وروّج لها شكلا آخر ومعنى أوسع من (دفيني)، فاللاجئون لم يعد يكفيهم الدفء بل كانوا في حاجة إلى (غوث) ونجدة، حيث تعطلت حياتهم اليومية وصاروا يواجهون شبح الموت مرارا جوعا أو مرضا أو بردا.

كان آغا صاحب أجمل شعلة للسلام انبثقت على صفحات التواصل الاجتماعي، وحين تصدّرت صور المتطوعين الشباب في حملات “غوث” الإنسانية في العراق المشهد الشعبي، توارى أحمد في الظل فالضوء الكثير لا يناسبه وشعورا بالذنب يبقى ملازما له على الدوام، لأن طفلا ما يسكن في الطرف الآخر من الوجع ما زال مرتجفا وجائعا خالي الوفاض، الطفل الذي يشبهه كثيرا.

يصرّ الولد الطيب على الاحتفاظ بابتسامته حتى عندما يخيّب الآخرون أمله، ابتسامته تلك كانت ملكا لحلم آخر رحل عن حياته.

يتذكر أحمد حلمه ويبتسم وهو يواصل عمله في استنفار الجميع وتحريض الجميع على العطاء دون مقابل، وفي أوقات فراغه يبقى يطالع صور الموائد العامرة بأشهى المأكولات، لكنه -يحدث نفسه- لا حاجة لطعام شهي، وهناك على مد البصر يموت الرجال والنساء ولا من كسرة خبز، وبدلا عن ذلك، يدون في “الفيس بوك” عدد الكيلوغرامات التي خسرها من وزنه نكاية بأصحابه، ثم يذهب إلى مطالعة كتاب قديم في مكتبة “جبران خليل جبران”، النبي الوسيم الذي ترك أتباعه مشردين في منتصف الطريق إلى اليقين.

نظم أحمد وأصدقاؤه من متطوعي غوث حفلة موسيقية في بغداد يعود ريعها لصالح النازحين، حيث انهالت عليه آلاف رسائل الإعجاب والتشجيع من أصدقائه الافتراضيين والواقعيين، لكن الرسالة التي فطرت قلبه كانت مضرجة بالغبار أرسلها جندي مرابط على جبهة القتال، تعذّر عليه الحضور إلى الحفل فقرر أن يرسل شقيقه الأصغر للقيام بالواجب.

عندما تعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها، يتمنى أحمد أن يخسر عمله “الغوثي” ويبقى عاطلا عن القلق، فهل تتحقق أمنيته؟

21