الطفل الذي لا يكبر

الرجل الذي غاب قبل عشرين سنة لا تزال أحلامه تنعش الفجر في عيون مشاهدي رسومه. إنه طفل سوريا الذي يصر على أن يبقيها أرضا لطفولة لا تنتهي.
الاثنين 2019/07/15
بتلك اللغة المريحة والمطمئنة استطاع أن يبني ركنه في المحترف الفني السوري

 مرت الذكرى العشرون لوفاة الرسام السوري فاتح المدرس (1922ــ1999)، وسط احتفال يليق بذلك الفنان الذي أحدث تحولا عظيما في مفهوم الحداثة الفنية في بلده وفي العالم العربي.

دمشق التي أحبها تحتفي به وهي تتلفت باحثة عن الضوء في نهاية طريق الآلام. المدينة التي رسمها بسعادة وترف أسطوريين. لقد نظر إليها بعيني عاشق، سعى إلى أن يهب معشوقته خيال المدن الصالحة لاستقبال الجنة.

كل شيء رسمه المدرس يذكر بتلك النعمة الأرضية المفقودة والتي لا يمكن استعادتها إلاّ عن طريق الفن. لذلك فإن ابن حلب حين يُستعاد فإنه يقبل في الوقت المناسب ليعيد إلى مدينته التي هدمتها الحرب شيئا من جمالها الخفي.

تنصت الحجارة إلى يديه النضرتين وهما ترشان الموسيقى على الطريق التي لا تزال سالكة إلى طفولته. هناك حيث لا يزال كل شيء في مكانه.

استعادة المدرس هي مناسبة لكي تتعرف سوريا على وجهها الحقيقي الذي شوهته الحرب بزيفها ورائحة عفنها. سوريا التي كانت دائما رائدة في التحديث والمغامرة الخلاّقة والسعي إلى الجمال.

لقد وهبت سوريا الثقافة العربية عددا كبيرا من الشعراء والرسامين والموسيقيين الكبار، استطاع المدرس أن يخترق صفوفهم ليقف في مقدمتهم.

الرسام الذي حلق بجناحي محليته وعالميته كان حريصا على أن يلهم أجيالا من الرسامين لغة حديثة لا تتعالى على نغم الشارع الدمشقي بكل غنجه وشهوته المفعمة بألغاز الحياة.

بتلك اللغة المريحة والمطمئنة والمشدودة استطاع أن يبني ركنه في المحترف الفني السوري، وهو الركن الذي لا يزال يعبق بأبخرة السحر ورقة الشعر.

رسم فاتح المدرس السوريين باعتبارهم أطفالا لأبدية، هي قدر بلادهم. في تلك الأبدية يقيم ذلك الساحر الذي تشكل ألعابه الجمالية نوعا من الحل في مواجهة الموت.

الرجل الذي غاب قبل عشرين سنة لا تزال أحلامه تنعش الفجر في عيون مشاهدي رسومه. إنه طفل سوريا الذي يصر على أن يبقيها أرضا لطفولة لا تنتهي.

Thumbnail
16