الطفل الذي يخاف الظلام

السبت 2014/04/26

معظم الأطفال يخافون العتمة ويهابون الأماكن المظلمة، يكرهون غروب الشمس ويتجنبون البقاء وحيدين حين تطفأ الأنوار؛ فالوحدة والظلام هما الثنائي المرعب اللذان يسمحان (لوحوش) الذاكرة بالانقضاض على مخيلة الطفل “المعذب”.

الوحوش التي تغذت جيّدا من مشاهد واقعية مريرة تشظت أحداثها مثل بقايا قذيفة فقدت اتجاه هدفها، وهي الوحوش ذاتها التي تناسلت على وقع أحداث ماض أشد حلكة من تجاويف الدماغ التي تحويها. لا يمكننا أن نلومهم، فالخوف هو سيد كل المواقف، سيد الصغار والكبار، سيد المنعزلين وسيد الجموع الغفيرة، ولأن الذاكرة (التلقائية) ليست مجرد عضلة متخيلة في الجمجمة، فهي بالتأكيد عالم افتراضي من دم ولحم وأسلاك شائكة وخيبات وصدمات نفسية؛ يمكنها أن تتكور على نفسها بتقادم السنوات فتتحول إلى ورم نفسي خبيث، لا ينجح معه علاج كيميائي ولا تروضه جلسات (الكي) الكهربائية.

أسهب علماء نفس الطفل كثيرا في حديثهم عن الذاكرة والسنوات الخمس الأولى من حياته، كما شدّدوا على ضرورة الاهتمام بالتكوين النفسي للطفل، الذي يضع لبناته الأولى في هذه الفترة المبكرة من العمر حيث يلعب فيه الخوف أهم الأدوار. كما شدّدوا على التعامل بحذر فيما يتعلق بالأحداث التي تمر في حياة الأبناء خلال هذه المرحلة، خاصة في ما يتعلق منها بالكوارث الطبيعية وحوادث الموت والفقدان العاطفي والتعنيف النفسي، مشاركين كانوا أو متفرجين على مسرح الأحداث.

الذاكرة، كانت المحرك الأساس الذي دفع علماء نفس الطفولة إلى قطع آلاف الأميال في حقول البحث العلمي لتقصي أخبارها، باعتبارها المخزن الذي سيحتفظ فيه الطفل بمؤونة لا تنضب من الكوابيس والعقد النفسية التي تكونت من خلال تجارب الطفولة الكارثية، لذلك عمد متخصصون في فسلجة الدماغ إلى البحث عن نقطة ارتكاز تبدأ عندها الذاكرة الطرية في استقبال المنبهات (حلوها ومرها)، فتوصلت معظم الأبحاث إلى اعتماد سن الثالثة أو الثالثة والنصف من عمر الطفل، باعتبارها عتبة الرشد الذي تبدأ فيه الذاكرة ممارسة حياتها المستقلة بتدوين الذكريات على صفحات بيض بكر، وهي لم تزل بعد عجينة غضة قابلة للتشكيل. أما قبل ذلك، فهي مرحلة نسيان طفولي مبكر ومطلق أو فقدان ذاكرة مسبق باعتبار أن الفرد سيختبر مستقبلا – عاجلا أو آجلا- فقدان ذاكرة جزئي أو كلي في مرحلة الشيخوخة.

نتائج الأبحاث تشبه الذكريات القديمة بقطرات ماء النار التي نثرت فوق سطح أملس؛ قاتمة، قاسية ولا يمكن محوها.

إلا أن هناك متسعا من سنوات ثلاث من عمر الإنسان لاتخاذ التدابير الوقائية، متسع من الوقت لتجنيب الطفل أكبر كمية ممكنة من الذكريات السيئة التي تغذي وحش الخوف ببعض الحيل العلمية، وهو ما يتيح الوقت الكافي أيضا للأهل لاتخاذ احتياطاتهم اللازمة وإبعاد فلذات أكبادهم عن شاشات التلفاز، باستخدام بعض الحيل التربوية مثل إشغالهم بألعاب الفيديو المربكة في أوقات نشرات الأخبار الفولاذية، أو شراء ستائر حمراء قانية لتأطير نوافذ المنزل القابل للانهيار، للتمويه على مشاهد الحرب الطازجة خلف الشباك. أما الحيلة الأكثر شعبية فتقضي بمحاولة إدراج صور الموت والفاقة والتشرد والجوع ضمن شخصيات قصصهم المفضلة، حتى تعتادها حواسهم الهشة وتقبل عليهم عند أول حادثة احتكاك مع الواقع، فيصبح الموتى والمعذبون والبؤساء وكأنهم أصدقاء طيّبون قفزوا من حكاية خيالية.

الأبحاث الأخيرة المخيّبة للآمال، تنسف النتائج السابقة وتؤكد أن الذاكرة الحقيقية تمارس حياتها الطبيعية مبكرا جدا عن الحدود الزمنية التي رسمها العلماء السابقون، وربما تبدأ بممارسة مهامها التوثيقية عند لحظة الولادة! لذلك، ستتضاعف واجبات الأهل والمربين وستفرض رقابة مشددة على الأحداث داخل شاشة التلفاز وخارجها، كما ستفرض رقابة على مستوى شدة الضوء في غرف نوم الصغار خشية على ذاكرتهم البريئة من الإصابة بأي خدوش مبكرة، قد لا تنفع معها عمليات التجميل النفسية المستقبلية.

سيصبح الصغار في المستقبل كبارا، ولن يتفضل معهم مزيد من الحجرات الشاغرة في الذاكرة بعيدة المدى لمزيد من الذكريات، حيث المخاوف والأحداث ستكون أكثر سخونة؛ الأحداث التي ستقلب العالم في المستقبل رأسا على عقب.

السيد أفلاطون، رئيس جمهورية الفضيلة لا يرى بدا من التسامح والغفران؛ فهو يعتقد بأننا نستطيع أن نغفر للطفل الذي يخاف من الظلام وهذا حق تكفله له الشرائع، لكن المأساة الحقيقية هي عندما يخشى الرجال الضوء!.

21