الطفل الذي يكذب أكثر ذكاءً من أقرانه

استعمال الخيال الواسع دليل على التطور الذهني للطفل.
السبت 2020/10/24
تعزيز الحب غير المشروط بين الطفل وأهله يقلل من التجائه للكذب

يؤكد علماء النفس أن الأطفال الذين يكذبون هم أذكى من أقرانهم، ذلك أنهم يتمتعون بذاكرة قوية تمكنهم من تبرير الكثير من الأشياء بالكذب ويعرفون كيف يخرجون من الورطة التي سقطوا فيها. وينصحون الآباء بألا يتذمروا من أطفالهم عندما يكذبون وألا يعاقبوهم على ذلك، وفي المقابل يحثّونهم على قول الحقيقة حتى ولو كانت مُرّة.

لندن - خلصت نتائج دراسة علمية حديثة إلى أن الأطفال الذين يكذبون هم في الغالب أكثر ذكاء من أقرانهم الذين يقولون الحقيقة. ويبرر الباحثون ذلك بأن الكذب يحتاج للكثير من الذكاء والخيال.

وقال الباحثون إن الكذب يتطلب درجة كبيرة من الذكاء، لأن الكذاب يحتاج إلى ذاكرة قوية وإلى خيال واسع. وبالنسبة للأطفال الذين يتمتعون بذاكرة قوية يمكنهم تبرير الكثير من الأشياء بالكذب ويعرفون كيف يخرجون من الورطة التي سقطوا فيها.

ونصحت موريتز داوم الباحثة المتخصصة في علم النفس التنموي بجامعة زوريخ الآباء بألا يتذمروا من أطفالهم عندما يكذبون ولا يعاقبونهم على ذلك.

وأكدت أن الأطفال لحظة يعرفون أنهم لن يعاقبوا على سلوكياتهم يقولون الحقيقة. وعندما يعاقبون تظهر لديهم المخاوف من اكتشاف الحقيقة فيما بعد، ما يدفعهم إلى الإبداع في الكذب، وهو ما يمكن أن يتحوّل إلى حالة مرضية وعادة في مرحلة المراهقة.

ورغم أن الكذب يمكن أن يكون مؤشراً على الذكاء، ينصح الخبراء الآباء بأن يكونوا قدوة لأبنائهم ويحثونهم على قول الحقيقية حتى ولو كانت مرّة.

ويذهب الخبراء إلى أبعد من ذلك حينما يعتبرون أن الكذب ظاهرة صحية بالنسبة للأطفال، تدل على التطور العقلي لديهم.

رغم أن الكذب يمكن أن يكون مؤشراً على الذكاء، ينصح الخبراء الآباء بأن يكونوا قدوة لأبنائهم ويحثّونهم على قول الحقيقة

ووفقا لدراسة بجامعة تورنتو قام بها البروفيسور “كانغ لي”، يعزز تعلم الخداع المهارات المعرفية لدى الأطفال الصغار، فالطفل الذي بدأ الكذب في سن الرابعة، أفضل في مهاراته الاجتماعية من قرينه الذي فعلها في وقت لاحق.

ويرى علماء النفس أن استعمال مهارات الوظائف التنفيذية لممارسة الكذب دليل على التطور الذهني للطفل، ويعرفون مهارات الوظائف التنفيذية على أنها مجموعة من المهارات التي تمكننا من التركيز والسيطرة على اندفاعاتنا.

ويقول علماء النفس إن أصحاب الوظائف التنفيذية الأكثر تقدما يصبحون أكثر قدرة على صياغة كذبة أفضل من غيرهم إضافةً إلى قدرتهم الكبيرة على رؤية العالم من منظور الآخرين وهو ما يسميه علم النفس “نظرية العقل”، التي تعزز قدرة الطفل على الخداع والاختباء والكذب.

ويبدأ الأطفال في اتباع عادة الكذب في سن الثانية والثالثة، وتكون كذباتهم في هذه السن مضحكة أحيانا، إذ إنها تأتي لإخفاء التجاوزات التي يمارسونها، وفي سن الرابعة يتعلم الأطفال كذبات أكثر قبولا موجهة إلى النمو العقلي للمتلقي، وفي سن السابعة أو الثامنة، تكون كذبات الأطفال موائمة أكثر للحقائق المعروفة ويصدقها الكبار بسهولة.

ويطور الأطفال مهارة الكذب في عمر السادسة أو السابعة عندما تتطور “الذاكرة العاملة” لديهم، وهي المسؤولة عن جعل كذبتهم أكثر معقولية، وهي أيضا التي تساعدهم على تذكر معلومات عن كذبتهم واسترجاعها في حال سئلوا عنها لاحقا، وفق ما يؤكده الخبراء.

ويرى الخبراء أنه كلما تطورت تلك الذاكرة كلما كانت الكذبة أكثر معقولية. كما يمكن للأطفال أن يطوروا مهارات الكذب لديهم لتصبح مستقبلا مصدر قوة اجتماعيا وتجعلهم أكثر قدرة على المجاملة والتودد إلى الآخرين وهو ما يعرف بالكذب الأبيض.

ويؤكد خبراء التربية أنه حتى ولو كان الكذب مهارة تدل على تطور الطفل العقلي، وقدرته على الانسجام مع الواقع من وجهة نظره، ما يعني تطوره العقلي، إلا أن  ذلك لا يعني الدعوة إليه.

ويدعو خبراء التربية إلى استخدام أسلوب المكافآت والتخلي عن الضرب أو التعنيف واعتباره الأسلوب الأفضل، باعتبار أن الضرب يؤدي إلى نتيجة عكسية، وبذلك يصبح الطفل أكثر مهارة في ممارسة الكذب، حيث أنه لا يعرف أن ما يقوم به خطأ. ويرون في المقابل أن الثناء عليه ومدحه إذا قال الصدق، يعتبر أكثر فاعلية.

الأطفال الذين يكذبون يتمتعون بذاكرة قوية تمكنهم من تبرير الكثير من الأشياء بالكذب ويعرفون كيف يخرجون من ورطتهم
الأطفال الذين يكذبون يتمتعون بذاكرة قوية تمكنهم من تبرير الكثير من الأشياء بالكذب ويعرفون كيف يخرجون من ورطتهم

كما نصح الخبراء بالاستغناء عن قصص الأطفال، التي تحذر من المصير المشؤوم للكذابين، لأنها تفشل في إثناء الطفل عن الكذب، ويمكن التعويض عنها بالقصص التي يقابل فيها الصدق بالاستحسان.

بدورهم يوصي خبراء علم النفس بترك الطفل يعرف مدى شعور الأهل بالإحباط عندما لا يخبرهم بالحقيقة، لتعزيز فكرة أن الكذب يمكن أن يضر بمصداقية الشخص وعلاقاته، داعين إلى عدم نعته بالكذاب، ومحاولة تفهم الأسباب التي تجعله لا يقول الصدق، حينئذ لا يحصل الأهل فقط على الحقيقة، بل سيتمكنون من جمع معلومات قد تساعدهم في تعزيزها مستقبلا.

ويؤكد علماء النفس على ضرورة تعزيز الحب غير المشروط بين الطفل وأهله، فآخر شيء يريد الأطفال فعله هو أن يخيبوا آمال آبائهم، ولهذا السبب، يشير علماء النفس أنه على الآباء جعل أبنائهم يعرفون أنه على الرغم من أنهم قد لا يحبون سلوكهم في بعض الأحيان إلا أن حبهم لهم لا يتغير.

ويشيرون إلى أن البيئة التي نشأ فيها الطفل تساعده على الكذب فإذا كان الكبار يتصرفون بصدق في أقوالهم وأعمالهم ووعودهم، فإن الطفل سيكون صادقا على عكس من يتربى في بيئة تتصف بالخداع وعدم المصارحة والتشكك في صدق الآخرين.

كما يرى علماء النفس أن التفرقة في المعاملة بين الأبناء مما يثير الكراهية والغيرة بينهم، وهو ما يجعل الطفل يلجأ إلى إلصاق بعض التهم لإخوته ويسمى الكذب الانتقامي، أما الكذب الدفاعي فيأتي نتيجة قسوة الوالدين على الطفل مما تتسبب في جعله يكذب حتى لا يتم معاقبته.

وقد يلجأ الأطفال إلى الكذب نتيجة الشعور بالنقص سواء الجسمي أو الاجتماعي أو العقلي حيث يعتقدون أن الكذب يعوض هذا النقص وهذا النوع يسمى بالكذب الادعائي.

21