الطفل العربي ضحية تديّن الكبار

لماذا نثقل كاهل الصغار إذن بهذا العبء المضني غير المجدي المقترن غالبا بالتعنيف الجسدي والنفسي؟ لماذا نغرس في ذهنية طفل في عمر اللعب وعدم الاكتراث ثقافة الترهيب والإخضاع.
الأحد 2018/04/22
أساليب بيداغوجية بدائية مدمّرة لعقل الصغير وروحه (لوحة للفنان السوري إلياس ايزولي)

منذ مدة طويلة وأنا أحاول عبثا أن أجد سببا معقولا واحدا لتلك العملية المسلطة على عقول وأرواح الأطفال في كل بلدان العرب والمسلمين وأعني تلقينهم وتحفيظهم للنص القرآني وهم في سن الطفولة الأولى! كيف يمكن أن نجبر أطفالا في نعومة أظافرهم على التعامل مع نص ديني غامض وشديد التعقيد ونرغمهم على حفظه عن ظهر قلب في وقت يتخاصم حول فهم معانيه آباؤهم وأمهاتهم بل حتى علماء المسلمين أنفسهم؟ هل يفكر الأولياء في آثار ذلك التحفيظ المبكر العنيف على عقول وأذهان أطفالهم؟

لا يبدو ذلك على الإطلاق إذ لو أعمل هؤلاء العقل التربوي ولو لحظة واحدة لما قدّموا فلذات أكبادهم إلى محفظين ومحفظات لا يعلمون عن التعليم سوى ما تلقوه من عنف وزجر هم أنفسهم في الكتاتيب والمساجد ولا يفقهون من علم نفس الطفل والتعامل معه شيئا غير أسلوب الصراخ والإكراه.. لو لم يبتلَ الأولياء بذلك الإيمان الأعمى لما عرّضوا هؤلاء البراعم للصدمات النفسية التي قد تعكّر حياتهم المستقبلية كلها.

 لو كانت السلطات السياسية مهتمة حقا بصحة وسلامة الأطفال الجسدية والنفسية لما نظمت وموّلت تلك المهرجانات الفلكلورية المنظمة باستمرار وفي كل مناسبة دينية أو وطنية تحت عنوان “مسابقات حفظ القرآن” الموجهة لأطفال لا يتعدى سنهم السابعة وفي بعض الأحيان أقل بذلك بكثير! ويحتفل ويبتهج مسؤولون ومثقفون أو مثقفون عوام ومعلمون وأولياء بذلك الطفل العبقري أو تلك البنت الحادة الذكاء، فقط لأنهما ختما القرآن حفظا ولكن دون التساؤل عن جدوى ذلك الحفظ ولا عما قاساه الحافظ والحافظة من حرمان زمني وعاطفي جراء ذلك.

من العجيب والمحزن أن نلاحظ أن مثقفا عاش في القرن الرابع عشر كان أكثر تقدما من معظم أحفاده الحاليين في موضوع تلقين وتحفيظ القرآن للأطفال!

لقد كان صاحب المقدمة المؤرخ الشمال أفريقي الكبير ابن خلدون ضد التحفيظ بصورة واضحة، إذ انتقد أهل زمانه في شمال أفريقيا الذين اعتمدوا كليا على ملكة الحفظ في تعليم أطفالهم وفي تكريسهم لمبدأ تحفيظ القرآن للناشئة على وجه الخصوص. نقرأ في الفصل التاسع والثلاثين من المقدمة:

“فأما أهل إفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أنّ البشر مصروفون عن الإتيان بمثله فهم مصروفون كذلك عن الاستعمال على أساليبه، فلا تحصل لصاحبه مَلَكَة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام، وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخفّ من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه، فيقتدرون على شيء من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل، إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة لما أن أكثر محفوظهم عبارات العلوم النازلة عن البلاغة”.

 لو كانت السلطات السياسية مهتمة حقا بصحة وسلامة الأطفال الجسدية والنفسية لما نظمت وموّلت تلك المهرجانات الفلكلورية المنظمة باستمرار وفي كل مناسبة دينية أو وطنية تحت عنوان “مسابقات حفظ القرآن”

لم تقنعه ادعاءاتهم في أن ذلك يساعد الأطفال على اكتساب ملكة اللغة ولم ير في ذلك المنهج سوى العقم والتعطيل لملكة التدبّر العقلي لديهم، لأن التحفيظ الذي تصرف عليه الأموال الطائلة وتخصص له الجوائز اليوم، يجعل من الأطفال حسب ابن خلدون أداة لترديد ما لا يفهمون من الأقوال والمعاني. وهو ما لم يفهمه وزير الشؤون الدينية التونسي حينما أراد أن يفرض برنامجا لتحفيظ القرآن في المدارس الحكومية خارج الأوقات الدراسية وأيام العطل وبتواطؤ مع وزير التربية ذاته. وفي كل مرة كما جرت العادة في تونس انتفض العقلانيون على قلتهم، حيث اعتبروا ذلك قرارا سلبيا وتعديا على حقوق الأطفال ودعوة ضمنية لترسيخ الأفكار الإرهابية عند النشء بينما أشادت الأغلبية المغيبة بالخطوة واعتبرت كالعادة كل من ينتقدها معاديا للإسلام والثقافة العربية الإسلامية.

ما يحدث لا يخص تونس فحسب بل يمس كل البلدان العربية والإسلامية مغربا ومشرقا مع فارق حاسم هو وجود قوى علمانية عقلانية مقاومة في بلد الحبيب بورقيبة لا تداهن لا الجماهير ولا الأحزاب الإسلامية حينما يتعلق الأمر بمصلحة المواطن والمواطنة التونسية والطفل التونسي على وجه الخصوص. ولم تتردد الباحثة والأستاذة الجامعية نائلة السليني في اتهام وزير الشؤون الدينية بمحاولة التقرب من حركة النهضة من خلال مبادرته، منبّهة السيد الوزير بوجوب ترك شأن تربية الأبناء لأوليائهم لأن الدستور التونسي يقر بحرية المعتقد. وسألته بطريقة مباشرة: هل سنُدرس أبناءنا آية “واقتلوهم حيث ثقفتموهم” على سبيل المثال؟ وهل سيتم تدريسهم بعض الآيات الأخرى مثل “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله؟”. أما الباحثة والمفكرة رجاء بن سلامة فقد كتبت على صفحتها بموقع فيسبوك “هل نحارب الإرهاب بتحفيظ القرآن لمن لا يفهمه؟ أليس هذا ما يفعله الإرهابيون؟ ألا يقتلوننا ببضع آيات يرددونها دون فهم وخارج سياقاتها التاريخية؟ مكافحة التطرف والإرهاب”، وتضيف بن سلامة، أن خلق المناعة لدى الأطفال والمراهقين يكون بتنمية الملكات والتثقيف لا بجعلهم يرددون ما لا يفهمون وما لا يستطيعون وضعه في سياقه التاريخي.

وبغض النظر عن أهمية ودلالة النقاش التونسي الذي عرضنا ينبغي أن نجد عناصر إجابة موضوعية دون الأخذ بعين الاعتبار لما يأمر أو لا يأمر به الدين للسؤال المغيّب التالي: ما فائدة تحفيظ القرآن للأطفال وما هي آثار ذلك على حياتهم النفسية والعاطفية والعقلية في المستقبل؟

بادئ ذي بدء، ينبغي إعادة نظر جذرية في تلك الدراسات المشبوهة التي توصي بوجوب تحفيظ القرآن للأطفال في سن مبكرة. فهي في الحقيقة كمن يبرر تحفيظ الطفل نصوصا في لغة أجنبية غريبة عنه تماما! هل يمكن تحفيظ رواية “البؤساء” الفرنسية أو فصول منها لطفل ألماني دون أن نلحق به ضررا ما؟ الحفظ دون فهم لا قيمة له بل هو عمل مرهق، إذ من الضروري فهم ليس معنى الكلمات بل معنى الكلام قبل الحفظ، هذا إن كانت للحفظ فائدة أصلا، وتلك أمور بديهية أصبحت اليوم من نوافل علوم النفس والتربية. وبات التحفيظ أسلوبا بيداغوجيا بدائيا مدمّرا لعقل الصغير وروحه. لقد أحدث هذا الفعل المخل بالبراءة أضرارا دائمة وعميقة في شخصية أجيال كثيرة وبعد انتشار الطباعة! فما هو مبرر حفظ نص يمكن أن نعود إليه بأسهل الطرق اليوم وهو متوفر في كل بيت مسلم على وسائط مختلفة، مكتوبة ومسموعة وحتى مرسومة وبلغات شتى! ألا يسمح لنا التطور التكنولوجي اليوم باستحضار ما نريده من النص القرآني في ثوان
معدودات على الهاتف الشخصي أو اللوحة الرقمية؟

فلماذا نثقل كاهل الصغار إذن بهذا العبء المضني غير المجدي المقترن غالبا بالتعنيف الجسدي والنفسي؟ لماذا نغرس في ذهنية طفل في عمر اللعب وعدم الاكتراث ثقافة الترهيب والإخضاع بالقوة والخضوع لها؟ لماذا نحكم على الطفل العربي المسلم أن يبدأ حياته الذهنية بالترديد الببغائي لكلمات وجمل لا يفهم لها معنى غير أنها مقدسة كما رددنا على مسامعه وهو بعد في القماط؟ بأي حق ندخله إلى عالم الميتافيزيقا وهو لم تكتمل فيزيقاه بعد؟ كيف يمكن أن يتلقى طفل في الرابعة أو الخامسة “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا” أو “واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم” أو “نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم”؟ أو “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيثما وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة، فخلّوا سبيلهم إنّ الله غفور رحيم”، إلى غير ذلك من الآيات الموجهة لكبار السن والتي تصدم كلماتها الصغار حتما.

لماذا نثقل كاهل الصغار إذن بهذا العبء المضني غير المجدي
لماذا نثقل كاهل الصغار إذن بهذا العبء المضني غير المجدي (لوحة للفنان السوري إلياس ايزولي)

وحتى وإن حاول المحفظون والمحفظات إيصال للأطفال معنى ما يرددون، فأي معنى وقراءة سيقدمون؟ طبعا لا يمكن أن يخرجوا عن التفسير الحرفي نظرا لتكوينهم الضعيف وتأثّرًا بالجو الأصولي العام في مجتمعاتهم. وليس هذا فحسب بل نقل الإخوان المسلمون هذا التقليد إلى الجاليات المسلمة المقيمة في الغرب وباتوا يستغلونها ماديا عن طريق مدارس تحفيظ القرآن.

على النخب أن تدق ناقوس الخطر ولا تظل مسايرة للجموع، هي التي تعرف مدى الأضرار التي يخلفها تحفيظ القرآن في سن مبكرة من طرف محفظين ومحفظات لا علاقة لهم بالتربية الحديثة بل اتخذوا ذلك كمصدر رزق بعدما ضاقت بهم السبل وهو ما يظهره التكاثر الجنوني لكتاتيب ومدارس وروضات التحفيظ على طول العالم العربي الإسلامي. وتعرف النخب أن تلك الأوكار التحفيظية لا تعلّم الصغار سوى التعود على احترام الغامض والمجهول، تقديس الماضي، ترديد ما يقوله الأقوياء وعدم إبداء الرأي الخاص، الذوبان في القطيع، الانصياع وعدم المقاومة، تعويدهم على التلقي السلبي والتكرار، ترسيخ فكرة الإكراه في دواخلهم، وعبادة اللغة العربية..

واللغة العربية ليست القرآن فقط حتى لا نقول إن عربية اليوم لا علاقة لها بالنص القرآني على الإطلاق. وإن وجب الحفاظ عليها فذلك يكون كما هو الشأن بالنسبة لكل لغات العالم، أي باستحداث معاجم متطورة مطعمة كل يوم. وإن أريد لها التطور فعن طريق مراكز البحوث اللغوية والإبداع في كل المجالات. وليس بتعبئة نصها الديني في عقول أطفال أبرياء. أما عن الدين فمن العنف وليس من الأخلاق في شيء أن نحاول فرض معتقداتنا وأفكارنا على من هم أضعف منا وفي أشد الحاجة إلينا وهم في بداية حياتهم.

ولا نحتاج التعمّق في نظريات علم النفس التربوي الحديث لكي نعرف أن هذا التحفيظ أصبح بدائيا لا منفعة فيه بل هو اعتداء على براءة الأطفال وتشويه لنموهم الطبيعي السليم، نفسيا وعقليا، إذ لا يحترم أدنى تدرج تربوي، وبدل أن ينتقل بالطفل من المحسوس إلى المجرد، يبدأ في الخلط بينهما، بل يُسبّق المحفظون المجرد: كيف يمكن أن نتحدث عن انشقاق قمر وإسراء ومعراج وكفار ومؤمنين وجن وملائكة وسبع سموات وجنة ونار وناكر ونكير مع أطفال أبرياء؟ بدل زرع مثل هذا الرعب في نفوس الأطفال وتجنبا لهذا العنف اللغوي والمعنوي والجنسي، أليس من الأفضل والأجدى أن نضع بين أيديهم قصصا هادئة مسلية في أجمل ثوب تنمّي فيهم الرغبة في الاكتشاف والحياة والمغامرة المعرفية وتحترم سنهم؟

10