الطفل المقلّد مرشح لاكتساب عادات الكبار السيئة

آباء يضحكون من محاكاة الأبناء لكل شيء دون إدراك أبعادها، والمرور للعقاب دون تصويب مصدر السلوك المقلَّد يضر بالطفل.
الاثنين 2019/04/29
محاولة التشبه بالكبار تسكن الصغار

يفرح الوالدان بأولى حركات وخطوات وكلمات طفلهما ويضحكون عندما يبدأ في التقليد بأسلوب تمثيلي للتشبه بالآخرين. بعض الآباء يدركون أن التقليد بقدر ما هو وسيلة يتعلم من خلالها الرضع بقدر ما يجعل منهم أرضية خصبة لتكرار كلمات وتصرفات الكبار دون انتقاء، لأن عقولهم غير قادرة على لتمييز هذه الفئة تكون حذرة عموما في تعاملها مع الطفل المقلد، لكن غيرها من الأهالي ذوي الخبرات المحدودة يركزون على طرافة محاكاة الطفل للكبار، ولا ينتبهون إلى أنه يجب الانتباه وعدم ارتكاب الأخطاء والقيام بالعادات السيئة أمامه، لأن ذلك يشجعه على تكرارها حتى في الكبر.

تجمع العديد من الدراسات العلمية على أن التقليد من أهم مؤهلات المولود الغريزية، وهو من المدارك التي تصله بالعالم الخارجي، ويتعلم من خلالها الأكل والكلام والمشي والتواصل مع الآخر، لكن يقع الآباء والأمهات من قليلي الخبرة في أخطاء مثل الضحك والترحيب بكل ما يؤتيه الطفل من حركات تقليد عفوية طوال سنوات طفولته، حتى عندما يقلّد تصرفات سيئة ويردد كلمات غير مقبولة وأحيانا نابية، وهو ما يحذّر منه المختصون في التربية وعلم نفس الطفل.

وتعتبر الملاحظة الطريقة الأساسية في دراسة سلوك الأطفال، ويمكن تحليل نتائج هذه الملاحظة المباشرة لسلوك الأطفال بطرق شتى وتتوقف قيمتها على مدى دقة وضبط الملاحظات التي يبنى عليها التحليل. يقول أستاذ الصحة النفسية والسلوك فريد حمدي، ينبغي أن نضع في الاعتبار عدة نقاط عند ملاحظتنا للسلوك؛ فأي سلوك هو استجابة لموقف ما والسلوك لا يقتصر على الاستجابة المتوقعة، بل يتناول أيضا أثر أي ضغط داخلي يحس وقت إتيان هذه الاستجابة.

ويعاني الأطفال اليوم من توتر داخلي لأسباب متعددة قد يحول دون قدرتهم على تركيز انتباههم لآبائهم ومربيهم مثلا، ويستجيب معظم الأطفال لكل المحيطين بهم، وغالبا ما يستجيبون لما يتطلبه الموقف، لأنهم يعبّرون بعفوية ودون حسابات.

ويضيف حمدي قد يلاحظ المربي المباشر للطفل سواء من أهله أو معلميه أنه لا يستجيب بالشكل الملائم في موقف ما، بل ينحرف بدرجات تتفاوت من حيث الشدة أو النوع، وعلى الكبار إدراك أن هذه الحالة تطلّب التقصّي عن أسباب ردود فعل الطفل غير السوية ومعرفة إن كان اكتسبها بسبب مشاهدته لردود مماثلة عند الكبار، كالصراخ والعنف عند الغضب مثلا وإذا استطاع المربّي أن يضع نصب عينيه دائما أن سلوك الطفل مهما بدا غريبا له أصوله وأسبابه؛ فإن هذا دون شك سوف يدفعه إلى التدقيق في الملاحظة واستقصاء الأسباب التي تعمّق فهمه لطبيعة سلوك الطفل، وبالتالي التعرّف على كيفية تصويب السلوكيات الناجمة عن سلوكيات مكتسبة من محاكاة الكبار.

مسؤولية الوالدين تتمثل في معرفة مصادر السلوكيات السيئة التي يكررها الطفل عفويا من خلال التقليد

ويقول أستاذ التربية ناصر عبدالسميع، إن شخصية الفرد تتكوّن خلال السنوات السبع الأولى من حياته، وهذه السنوات القلائل التي تسبق دخول الطفل إلى المدرسة هي المرحلة التي تغرس فيها في نفس الطفل المبادئ والقيم التي يحملها طوال حياته، سواء مبادئ الخير أو الشر والقيم الصالحة والقيم الفاسدة، ولذلك يجب خاصة على الأم أن تتعامل مع طفلها بحذر من تأثره بسلوكيات المحيطين به، خاصة السيئة منها ولا تتفاعل مع إيجابيا لكي تبلغ له بطريقتها أنها تصرفات لا يجب الاقتداء بها.

ويشير عبدالسميع، على الأمهات باستخدام أساليب ليّنة في ذلك ومن بينها وقوة الإيحاء التي تؤثر في الصغار، كأن تقول لابنها الذي يقلّد والده أو أحد إخوته في قلة الترتيب وإحداث الفوضى في البيت “أنت مرتب وأنت مهذّب ونظيف”، وسوف تلاحظ كيف يبدأ فعلا بالتصرف بتهذيب لأنه اقتنع بأنه كذلك.

الأسلوب الآخر المهم والذي يؤثر في الأطفال هو التشجيع؛ إنه من طرق التربية الفعّالة وأسلوب يكاد ينجح في جميع الحالات مهما كانت مستعصية، سواء كان هذا التشجيع لفعل عمل جيد أو لترك فعل سيء.

يوضح المختصّ التربوي “يمكنك تشجيع طفلك على الدراسة أو المساعدة في أعمال المنزل، وكذلك يمكنك تشجيعه على ترك الصفات السيئة، مثل تشجيعه على تجنّب الكذب أو ترك الكسل أو الابتعاد عن إيذاء الآخرين أو تخريب ألعابهم، ومن الضروري أن تنمّي في طفلك مَلَكة الاعتماد على النفس ولا تجعله متكلا على غيره”.

من جانبها تؤكد خبيرة علم نفس الطفل ريهام إبراهيم، أن الأم تظن أحيانا أن العقاب كلمة مرادفة للضرب ولكن من قال إن العقاب لا يكون إلاّ بالضرب؟ قد يكون الضرب مناسبا لطفل وقد لا يكون مناسبا لطفل آخر، وقد يكون ملائما في ظرف وغير ملائم في ظروف أخرى. وما دمنا قد علمنا أن العقاب يفقد قيمته مع تكراره، فإنّ من وسائل تجنّب التكرار تغيير نوع العقوبة فتصبح بذلك أدعى للتأثير؛ بل الحقيقة أنّ الضرب ينبغي أن يكون أقلّ العقوبات التي يلجأ إليها الوالدان، خاصة إذا كان عقوبة على سلوك اكتسبه من بيئته الأسرية أو من محيطه الاجتماعي وقد تكون أبلغ عقوبة مجرد العبوس في وجه الطفل أو بتعبير مقتضب مثل أزعجتني بعملك هذا”.

التقليد ليس جيدا في كل الأوقات
التقليد ليس جيدا في كل الأوقات

وتضيف ريهام ليس شرطا أن يصاحب العقاب عبوسا وصراخا ولكن ليكن التعبير عنه بالنبرة الجازمة والإشارة القاطعة مع الهدوء، فهذا هو العقاب الجدّي المؤثر الذي يثير في الطفل مراجعات ذاتية تجعله يترك تقليد إخوته مثلا في اعتماد العنف أو في إثارة الفوضى أو ترديد كلمات مسيئة حفظها من والده وغيرها من السلوكيات.. العقاب محدود ويجب أن تكون آثاره محدودة كذلك.

عندما ينتهي العقاب الذي يجب أن يسبق بالتوضيح والحديث مع الطفل ومحاولة إقناعه بهدوء بالتخلّي عن تقليد سلوك مشين، فيجب أن تعود الأمور طبيعية ويعامل الطفل معاملة طبيعية، ولا ينبغي أن يستمر العقاب ساعات طوال أو أيام متوالية (فلا يتوقف إلا حين ينساه الأب أو الأم)، مما سيؤدي بالطفل إلى أن يعاف البقاء معهما ويؤدي به كذلك إلى الميل إلى اعتزالهما والهرب منهما.

وتذكر المختصة النفسية أن مسؤولية الوالدين تتمثل في معرفة مصادر السلوكيات السيئة التي يكررها الطفل عفويا من خلال التقليد، وعندها عليهما تعديل المصدر قبل الطفل المقلّد، وهذا ما يلفت انتباه كل منهما إلى البدء بتصويب سلوكه قبل تصويب سلوك الطفل أو الإشارة للمحيطين به الذين تأثر بهم بضرورة عدم تكرار تلك التصرفات أمام ابنهم الصغير، وإن استدعى الأمر عليهما إبعاده عن الشخص من الأقارب أو المحيط الاجتماعي ذي التأثير السيء في طفلهم غير المميز.

21