الطفل كائن أعزل في مواجهة مشاهد الموت والدمار

الأربعاء 2014/10/22
الشعور بالأمان هو أقصى طموحات الطفل الأعزل

لم يعد عالم اليوم مكاناً آمناً، فالصحف والتلفاز وشاشات الكمبيوتر تمطرنا يومياً بأخبار الحروب والأوبئة والمجاعات والكوارث الطبيعية وتنقل لنا بإخلاص صورا حية لقوافل الموت الجماعي وتفاصيل مروعة لمشاهد الغابات البشرية التي يأكل فيها القوي المستبد والهمجي، الضعيف الذي لا حول له ولا قوة.

من منطلق رد فعل مباشر، يستخدم الراشدون وسائل دفاعية لحماية أنفسهم ولتلطيف حدة هذه الوقائع المخيفة، يجربون حيلا مثل التجاهل والنسيان والتفاؤل وخداع النفس، في محاولة جدية لمواصلة حياتهم اليومية الطبيعية وكأن شيئاً لم يكن، فيرفضون مغادرة مغاراتهم (الداخلية) خوفاً من مواجهة الحرائق التي باتت تلتهم العالم من حولهم. هذا النوع من التحايل على الواقع أمر مشروع، وإلا لأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق.

ولكن، كيف يمكننا تجنيب الصغار هول هذه المشاهد الفاجعة؟ وكيف يتسنى لنا مطالبتهم بإشاحة أنظارهم عنها، في الوقت الذي ينبغي علينا فيه أن نحرّضهم على استكشاف العالم من حولهم، كجزء مهم من تطوير قابليتهم على التأقلم والعيش السليم؟

الخوف هو المحصلة الأولية التي سيخرج بها طفل قد يمر مرور الكرام على مشاهد الموت المجاني والدمار، حين تقدم إليه صورها بتفاصيل عشوائية وغير مباشرة مع وجبات الطعام أو أثناء أدائه الواجبات المدرسية؛ في البيت أو الشارع أو المدرسة، أو من خلال خبر عابر في جريدة أو صورة صادمة على شاشة كمبيوتر بطريقة من المحال تجنبها.

فمن يقف بين صغارنا وبين الخطر المحدق فيهم والذي ينتظرهم في شاشات التلفاز؟

نحن بحاجة إلى مساعدة أطفالنا لتطوير استراتيجيات فاعلة لمواجهة خوفهم مما يحدث في العالم من انتهاكات وفظاعات وجرائم بحق الإنسانية

يتضخم خوف الصغار من مشاهد الحروب، نتيجة لخيالهم الواسع الذي يأخذهم بعيداً إلى موقع الحدث ويتركهم هناك عزلا من دون حيلة، فيتملكهم الخوف من أن يكونوا هم أيضاً الضحية المقبلة، حيث تعج ساحات الصراعات المسلحة بضحاياها من الأطفال الذين سرعان ما يتحولون إلى موتى أو جرحى أو معاقين أو مشردين أو أيتام، في الوقت الذي يعاني فيه من تبقى منهم من قيود الأمراض النفسية التي تطبق بخناقها على مستقبل مجهول مجرد من الأمل والأمان.

إلى ذلك، فإن تقارير لمنظمات دولية لحقوق الإنسان، تظهر إحصاءات تقريبية وأرقاماً مخيفة عن ضحايا الحروب من الصغار، حيث أودت الصراعات المسلحة بحياة ما يزيد على مليوني طفل على الأقل في العقد المنصرم، فيما نال قرابة الستة ملايين آخرين نصيبهم من الإصابات أو الإعاقات مدى الحياة، وفقد مليون طفل أو أكثر الأهل والمأوى كما جند مئات الآلاف منهم في صفوف ميليشيات وجيوش وعصابات مسلحة وأجبروا على حمل السلاح.

وفي معظم الأحيان، يكون الأطفال شهود عيان على ما يتعرض له أفراد عائلاتهم من قتل وتمثيل وتشريد وغيرها من الفظاعات التي تترك في وجدانهم جراحات نفسية عميقة قلما تغادر ذاكرتهم وهم يسعون مشردين في دروب الهجرة، بلا خيار أو أمل حيث يلوح في أفقهم الداكن مستقبل مجهول.

في معظم الأحيان يكون الأطفال شهود عيان على ما يتعرض له أفراد عائلاتهم من فظاعات تترك في وجدانهم جراحات نفسية

وسواء كان هؤلاء الصغار، ضحايا آلة الحرب، في قلب الحدث أو شهود عيان لضحايا آخرين أو حتى متابعين للأحداث الساخنة من مسافة جغرافية بعيدة، فإن شظايا الدمار ستطالهم بالتأكيد، مع اختلاف في درجات إصاباتهم بالجراح النفسية وتباين الفرص المتاحة لهم لردم هذه الجراح.

من جانبها، تؤكد الدكتورة ايلين كندي، مؤلفة ومتخصصة في علم النفس السريري في جامعة برينستون الأميركية، على أننا بحاجة إلى مساعدة أطفالنا لتطوير استراتيجيات فاعلة لمواجهة خوفهم مما يحدث في العالم من انتهاكات وفظاعات وجرائم بحق الإنسانية، والأهم من ذلك، تقديم الدعم العاطفي لهم لإقناعهم بأنهم ليسوا وحدهم في رحلتهم هذه وسنكون بجانبهم على الدوام.

وحذرت الدكتورة كندي من أن تقديم الوعود الكاذبة أو محاولة تزويق الحقائق وإخفائها كلياً قد يضعفان من عزيمة الصغار، فعندما تدخل مشاهد الدمار والموت إلى حياة الطفل بصورة مباشرة من خلال خوضه للتجربة شخصياً أو بصورة غير مباشرة عن طريق مراقبته لمشاهد معاناة أطفال آخرين من خلال شاشات التلفاز، فإن ردود أفعاله المباشرة تتسم بالخوف والفزع وفقدان الثقة بالآخرين.

لذلك، تتوجب مصارحة الأطفال وخاصة الأكبر سناً منهم، بأن خوض التجارب في الحياة تستدعي في جميع الأحوال وفي جميع المراحل شجاعة في مواجهة الأوقات العصيبة ومقدرة على التحمل، وحيث لا توجد ضمانات أكيدة، فإن وجود الأمل في الخير وفي الغد ومحاولة تحصيل الدعم من خلال المقربين من الأهل، هو الضمان الوحيد لمواجهة الشر، فالشعور بالأمان هو أقصى طموحات الطفل الأعزل الذي يواجه الأسئلة الصعبة عن الحياة والموت ولا يجد لها إجابات شافية.
21