الطفولة كنز الشاعر وفضاء الحرية

الخميس 2013/11/07
أبوزيد: حين أكتب أطير

البعد عن المكان الأول، ومدن النشأة ومساحات الفرح والحزن. مفارقة بوابات الناس المملوءة بالذكريات. لِمَ يقود ذلك المبدعين وهم يصنعون عوالمهم الورقية الصغيرة وهم في مدن الغربة؟ هنا نموذجان لشاعرين تعود أصولهما لصعيد مصر ويعيشان الآن في مدن الخليج. محمد أبو زيد وعلي الدمشاوي. وكل منهما يمنح نفسه طريقا خاصا للوصول للوطن.

محمد أبو زيد شاعر وصحفي مصري، من مواليد سوهاج 1980، صدر له ديوان "ثقب في الهواء بطول قامته"، "قوم جلوس حولهم ماء"، "مديح الغابة"، "طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء"، وآخر أعماله الشعرية الصادر مؤخرا هو ديوان "مدهامتان"، بالإضافة إلى كتاب شعري للأطفال "نعناعة مريم"، ورواية "أثر النبي"؛ كما حصل على جائزة سعاد الصباح، وجائزة يحيى حقي.

عالم من العنف

يقيم الشاعر محمد أبو زيد حاليا في الإمارات العربية المتحدة، وعن الغربة يقول: "مفهوم الغربة يتسع كلما كبرنا، وأنا صغير في قريتي الصغيرة في أقصى الصعيد كنت أشعر بغربة، عندما سافرت إلى القاهرة شعرت بغربة من نوع مختلف، عندما سافرت خارج مصر للعمل شعرت بغربة من نوع آخر، وربما لو سافرت إلى كوكب المريخ فسأشعر بغربة من نوع مختلف، الغربة هنا ليست غربة المكان فقط بل هي غربة الروح.

عند تأملك في مفردة الأجنبي واستعمالها في كتب الجهاديين، وبعض كتب الفقه الإسلامي القديمة تجدين أن معناها المختلف في الجنسية، وربما في الدين، وربما الذي جاء من دار الحرب (العدو)، الغربة بالنسبة لي وجه العملة الآخر لكلمة "الآخر"، وهي الكلمة التي فقدت معناها تماما في مصر خلال الثلاث سنوات الأخيرة، وربما خلال السنة الأخيرة ومع ارتفاع انغماس الأشخاص العاديين في السياسة واستهلاكهم لخطاب إعلامي قائم على نبذ الآخر (الأجنبي) حتى لو كان مختلفا معه في الرأي. وأنا أعمل الآن على مشروع شعري، اسمه المبدئي "الخواجة والأجنبي والغريب".

المشروع الشعري الأخير ديوان "مدهامتان"، الصادر عام 2011 للشاعر محمد أبو زيد، هو الديوان الذي يعني اسمه سوداوان والذي كتبه أبو زيد قبل سفره من مصر، وذلك بعد ثورة 25 يناير، هذا المناخ الذي انعكس على الديوان كما يرى الشاعر: "إن كسر القيود والخوف وتحطيم الآلهة الذي حدث في الواقع انعكس على الكتابة في الديوان بمحاولة كسر الأطر التقليدية بالنسبة لي في الكتابة، وربما في مساحة الحرية الموجودة في التحرك شعريا ودراميا في القصائد. كما استفدت في الديوان من كوني كتبت رواية من قبل، وذلك بتوظيف آليات السرد بشكل أكثر سلاسة، واستفدت من بساطة السرد، وتضفيره من اللغة الشعرية".

في نصوص "مدهامتان" تحضر روح ترغب في تدمير العالم وإعادة بنائه، مستخدمة في ذلك العناصر المحيطة بعد التغيير من طبيعتها، فيعيد أبو زيد تكوين عالمه الورقي بالأساطير وشخصيات الكارتون، رغم أنهم ليسوا الشخصيات التي نعرفها، فهم فاقدون للبراءة ومحملون بالعنف تجاه العالم.

ويتمادى أبو زيد في صناعة الصورة المختلفة لكل شيء، فالشوارع والبيوت مثلا عبارة عن مجرد شرفات.. هذه الروح التي تسيطر على العالم هي نتيجة لأوجاع كثيرة ملأته وواجهت أبطال النصوص. الغريب أنه بدلا من محاولة أبطال تلك النصوص مقاومة الظلم والخيبات يحدث أن تستسلم لها، ويُعجب الأبطال بالجوانب السلبية، كقصيدة يعجب من خلالها البطل بالقتلة وينتظر رصاصة منهم.

رغم ذلك يبدو إعجابهم هو مجرد محاولة منهم لمراوغة مشاعرهم الحقيقية تجاه ما يحدث. المراوغة ربما هذا عنوان المشاعر المطروحة في الديوان؛ فالمشاعر تحاول أن تتنكر وتظهـر في صور أخرى وتقاوم.. الخوف يبدو كأنه زهو.. والاستسلام والإعجاب بالأشيـاء هـو في الحقيقـة إحسـاس بالضعـف.

وحيال ذلك يرى محمد أبو زيد أنه يعمل في دواوينه على مشروع شعري وليس مجموعة قصائد؛ وفي هذا الديوان كانت الشخوص تمارس "المعايشة" وليس الاستسلام، قائلا: "هم يمارسون الاستسلام، ثم المعايشة، ثم محاولة التفكيك من الداخل، وإعادة البناء مجددا.. يراودني إحساس بالشفقة على هذا العالم، لديّ ديوان لا أحبه اسمه (طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء)، لأنني كنت فيه قاسيا، رغم أنني كنت أردّ على قسوة الحياة قبل الثورة، هذه الحالة من الفساد هي التي صاحبتني آنذاك أثناء كتابة الديوان".

الحنين قد لا يكون أحيانا لمكان الوطن، لكنه لزمن بعيد، وتظهر ملامح ذلك عبر استخدام محمد أبو زيد لرموز كارتونية وشخصيات تعود للطفولة.

رغم أنه يعمد إلى تشويههم وتقديمهم متوحشين أو ممارسين للعنف، بخلاف ما هم عليه؛ وهو ما يراه أبو زيد أنه ناجم عن أن: "الطفولة هي كنز المبدع الأزلي، مفردات، ربما لأننا كنا وقتها نملك القدرة على الحلم.

التمسك بالزمن


لا أعمد إلى تشويه "أبطال طفولتي"، لكن أعيد تشكيل العالم (عالمكم) بهم، أحيانا يصبحون سلاحي لمواجهة العالم، وأحيانا أدخلهم في صراع مع هذا العالم ليجابهوه بنفس أسلحته، لكن الفكرة الأساسية التي انطلق منها: أنني لست راضيا عن هذا العالم، وأريد إعادة تشكيله على طريقتي.

الأمر ليس غربة زمنية، لكنه رغبة في الخروج، الخروج إلى النهار، وأنا صغير كان لديّ حلم بأن أعيش في صحراء بعيدة، لا أحد معي، فقط كتبي وأغنامي، حياة بسيطة بدون مشاكل الحياة الروتينية، والصراعات على توافه الأمور، في آخر قصيدة في ديوان مدهامتان عبّرت عن هذا، عندما أركب حماري وأغادر العالم ساخرا من عواجل القنوات الفضائية، ومن الصحف، إلى وحدتي، الوحدة التي تصير قصيدة طويلة لا تنتهي".

15