الطلاق النفسي أزمة للرجل والمرأة

الأحد 2014/10/19
المحبة والمودة بلسم الحياة الزوجية

القاهرة - عادة ما تبدأ الحياة الزوجية مليئة بمشاعر الحب الدافئة، حيث يحرص كل طرف على إسعاد الآخر، والمحافظة على الصورة التي كوّنها عنه، ويهتم الزوجان اهتماما شديدا بإظهار السعادة والتفاهم أمام المحيطين بهم من الأقارب والمعارف.

الرصيد المستمد من العلاقة أثناء فترة الخطوبة يجعل الحياة الزوجية بصورة جميلة في بدايتها، ولكن رويداً رويدا يبدأ الاصطدام بمشاكل الحياة الواقعية.

فالزوج منهك في العمل وقليلاً ما يعبّر عن مشاعر الحب لزوجته، والزوجة أصبحت تهمل مظهرها مع انشغالها بمتطلبات المنزل وخاصة بعد مجيء الأطفال، ومن هنا يبدأ فتور العلاقة الزوجية الذي يكاد يكون ظاهرة في كثير من البيوت، فكيف يرى الأزواج هذه الحالة وكيف يفسرها أساتذة طب النفس وعلماء الدين وما هو علاجها؟

تقول منى جمال (موظفة): “يتصوّر بعض الرجال أن الاهتمام بالعواطف والمشاعر نوع من الضعف، وأن المرأة يمكنها التحكم والسيطرة على الزوج الذي يُعبّر عن حبّه لها، ولا يدرك أن مثل هذه الكلمات قد تزيد العلاقة الزوجية قوة وصلابة وتُقرّب كلا الطرفين من بعضهما، وفي اعتقادي أن الرجل الشرقي لا يعترف لزوجته بحبه لها، لأن عقليته تكوّنت منذ القدم على أنه السيد الذي يأمر فيُجاب، ويستكبر أن تخرج منه كلمة حب وتقدير لشريكة حياته”.

إذن فعدم الاعتراف من كلا الطرفين بالمودة والحب للآخر يمكن أن يزيد الجفاء بينهما، وأحياناً يصل الأمر إلى حد أن تمر عدة أيام دون أي حديث بينهما، وقد تصل الأحداث إلى ذروتها بالمشاجرات والخلافات مع دوامة العمل ومتطلبات الحياة، التي قد تصل ببعض الأزواج إلى النهاية الحتمية وهي الطلاق.

يرى أحمد عبد الصمد (مهندس)، أن الحياة الزوجية فيها الكثير من الحب والمودة والرحمة، فقد قال تعالى: “وجعل بينكم مودة ورحمة”، ويمكن أن يعتريها كذلك بعض الملل والفتور وهو شعور طبيعي يستمر طويلاً، كما أن الروتين اليومي للحياة يؤثر على حياة الأسرة، خاصة إذا كان الزوجان يعملان خارج البيت لفترات طويلة، مما يجعل فترة تقابلهما معاً داخل البيت قصيرة، ويضيف: “لا توجد حياة تخلو من مشاكل أو تقابلها رياح وأعاصير، يمكن أن تطيح بها ويمكن أن تجد مَن يتصدى لهذه الرياح، ولا بد أن يقدّم كل من الزوج والزوجة التضحيات والإخلاص لبعضهما حتى تنجح حياتهما”.

وترى جيهان العلي (مدرسة) أن الحياة الزوجية تحتاج إلى كثير من الجهد المشترك من كلا الزوجين، كي لا تتسرب إليها الخلافات والملل والمشاكل، فالحياة العصرية فيها كثير من الصعوبات التي تسلب منا الوقت والطاقة وبالتالي تجعل الحياة جافة ويسيطر عليها غياب العاطفة، من هنا ينبغي على الزوج والزوجة مراعاة الحالة النفسية للطرفين ومحاولة تجديد الحياة عبر أخذ إجازة خارج البيت بهدف كسر الروتين، لأن هذا سيؤثر ايجابيا على علاقتهما.

علاج الفتور الزوجي يمكن أن يكون عن طريق تدخل طرف ثالث، لتقريب وجهات النظر بما يعود على الأسرة بالنفع والاستقرار

أما سوزان رأفت (موظفة) فترى أن “الحب والود هو الأساس، ففي حال وجود عاطفة محبة حقيقة وإيمان مشترك بأهمية الحياة معا، وأن أحد الطرفين لا يمكنه الاستغناء عن الآخر فإن أي خلافات ستصبح سطحية وتزول بمجرد محاولات بسيطة لحلها، فمن وجهة نظري أن هذا الايمان المشترك بالمشاركة الأبدية في الحياة هو المنقذ الأهم للزواج”.

في حين يرى عبدالعزيز النادي، أن التوافق العقلي منذ بداية الاختيار هو ما يؤدي إلى نجاح الحياة الزوجية، فالزواج هو عبارة عن مشاركة في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وبالتالي يجب أن يكون هناك اتفاق بين الشريكين وإلا تحولت الحياة إلى جحيم، ووقوع الطلاق النفسي ثم الواقعي.

ويشير الدكتور عبدالعزيز حمدي أستاذ علم اللغة بجامعة القاهرة، إلى أن العلاقة الزوجية كما جاءت في سُنة نبينا محمد (ص) تبدأ من مرحلة اختيار شريك الحياة، فأوصى قائلاً: “اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس″، وقال: “اظفر بذات الدين تربت يداك”، وأوصى أهل المرأة فقال: “إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخلقه فزوّجوه”، كل هذه الأمور تمهّد لبداية حياة كريمة، ويضيف: “إن المبدأ الأساسي في العلاقة الزوجية بعد أن يكون قد تم اختيار الشريك هو قول الله تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”، فالمحبة والمودة يجب أن تكون سمة بين الزوجين، حتى لا يحدث شيء من الفتور في العلاقة بينهما، ومعنى هذا أنها قد حادت عن الطريق الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لدوام هذه العلاقة”.

ويرجع الدكتور عبدالعزيز فتور العلاقة الزوجية إلى عدة أسباب، أولها هو الضعف الإيماني، فالمرأة في عصرنا الحاضر قد خرجت إلى العمل وهذا حقها، ولكن في الغالب أدى هذا الأمر إلى فتور علاقتها بزوجها، فهي تعتبر نفسها مساوية له ونداً له في كل شيء، ولا تعتبر أنهما يكملان بعضهما البعض، وبالتالي النتيجة الحتمية هي عدم الراحة لكلا الطرفين، فيبدأ الصراع والخلاف بين الزوجين والضحايا هم الأبناء، وثاني هذه الأسباب هو نمط الحياة الروتينية التي يعيشها الإنسان، فلا يوجد تغيير أو تجديد في الحياة مما يصيب كلا الطرفين بالملل والفتور، خاصة وأن الإنسان من طبعه محبّ للتجديد دائماً، وبالتالي لا بد من حرص الزوج والزوجة على تجديد الحب والمودة بينهما.

ويرى الدكتور أمجد عبدالفتاح أستاذ علم الاجتماع أن الطلاق النفسي وفتور العلاقة الزوجية لهما آثار مدمرة تنتج عنها مشكلات اجتماعية ونفسية كثيرة، منها شعور كل طرف بالإحباط إزاء الطرف الآخر، ونظرة كل شريك إلى شريكه بعين الريبة غير القادرة على الصبر، وتغلغل المعاناة النفسية إلى أعماق الوجدان، فضلاً عن المرارة التي يعيش فيها الأبناء جراء ملاحظاتهم لآبائهم وهم يعيشون منفصلين فكرياً ووجدانياً.

ويرى الدكتور أمجد، أن علاج الفتور الزوجي يمكن أن يكون عن طريق تدخُّل طرف ثالث، لتقريب وجهات النظر بما يعود على الأسرة بالنفع والاستقرار، والحل الأمثل الذي إذا اتبعه الزوجان منذ بداية حياتهما الزوجية ولن يحدث لهما أيّ مشكلة، هو العودة إلى الدين الإسلامي الحنيف.

ويقول الدكتور عمر شاهين أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة: “إن الفرد بعدما يتزوج يفاجأ بحدوث تغيير رهيب في الطرف الآخر الذي ينسى الحب والمودة، ويعامله بطريقة واقعية تفرضها متطلبات الحياة مما يسبب الإحباط والاكتئاب، ويمكن أن تؤدي هذه الطريقة إلى ارتفاع ضغط الدم أو الإصابة بالسكري”.

ويضيف: “إن الخلافات الزوجية يمكن أن تسبب القلق والتوتر واضطراب وظائف القلب، وللوقاية من هذه المخاطر لا بد من اللجوء إلى إحكام العقل، لفهم أبعاد المشكلة وتحديدها للتوصُّل إلى حلها أو اللجوء إلى طرف ثالث يتميز بالحكمة والعقلانية للتقريب بين الزوجين.

21