الطلبة التونسيون أكبر الخاسرين من إضرابات المدرسين

الثلاثاء 2015/04/21

تعيش تونس على وقع متسارع من الاضطرابات والإضرابات في شتى مجالات الحياة يجمع بينها قاسم مشترك يتمثل في تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي ازدادت تفاقما بعد الثورة.

ويعد قطاع التربية والتعليم أكثر القطاعات حساسية بالنسبة للمواطن التونسي فالأبناء هم أغلى ما يمتلك إن لم نقل -في أغلب الحالات- الشيء الوحيد النفيس الذي يمتلكه. وبعد إضراب أساتذة التعليم الثانوي الذي شل الحياة المدرسية في جل معاهد الجمهورية التونسية ونتج عنه إلغاء امتحانات الثلاثي الثاني، دخل الأساتذة الجامعيون والمعلمون في التصعيد النقابي وشرعوا في شن الإضرابات بعد تعثر مفاوضات ممثليهم في النقابات التعليمية مع وزارتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي.

التونسيون بشتى فئاتهم الاجتماعية والثقافية يتخبطون تحت وطأة غلاء المعيشة ومنهم العاملون في المجال التربوي. وتتراوح أراء التونسيين بين مؤيد لإضرابات القطاع وبين مندد بها؛ المؤيدون يتبنون وجهة النظر المرتكزة على نقطتين أساسيتين الأولى تتعلق بتردي وضع المهنيين في قطاع التعليم سواء من ناحية الرواتب أو ظروف العمل أو البنى التحتية المتآكلة في المؤسسات التعليمية أو اختلال سلم الترقيات، والثانية تتعلق بالحق في الإضراب الذي يضمنه الدستور.

أما الرافضون لهذه الإضرابات فيلوحون بأن الظرف الاقتصادي والاجتماعي الراهن في تونس يتطلب من الجميع الصبر والتوصل لحلول دون اتخاذ هذه الأشكال من التصعيد النقابي وما ينجر عنها من نتائج تضر التلميذ بدرجة أولى. ويرون أن الظروف المادية والمهنية والاجتماعية في قطاع التعليم ليست أسوء من بقية القطاعات خاصة منها التي تهم الأمنيين والعسكريين. كما يؤكدون على أنه من المفترض أن يتجه المطالبون بحقوقهم إلى مراعاة ظروف الطلبة وعائلاتهم وإلى المطالبة بإصلاح منظومة التعليم المختلة.

إشكاليات عديدة مترابطة إلى درجة التعقيد تحوم حول ما يقدمه المربي للمجتمع وللدولة وما يتلقاه في المقابل معنويا وماديا بشكل يحفظ حقوقه ويشعره بالأمن الإنساني والمهني. لن نخوض بهذا الصدد في اتجاه الدفاع عن مطالب المعلمين والأساتذة لأنهم شرعوا في ذلك على أرض الواقع، وليس هذا من باب نكران الجميل أو استنكارا لدفاعهم عن حقوقهم. لكن لا بد من إثارة نتائج هذه الإضرابات على الحلقة الأضعف في خضم الصراع النقابي الوزاري “صراع الحقوق والواجبات” وهي الطلبة وأولياؤهم.

وتعاني عائلات التلاميذ من ضغط مزدوج بين رغبتهم في أن تتوفر في تونس بيئة تعليمية تستوفي الشروط الدولية للتعليم عالي الجودة وتقوم على إصلاح المنظومة التربوية وتنطلق من ثورة رجال ونساء التعليم ومطالبتهم بذلك، وبين معاناتهم من الوضع الراهن لأبنائهم الذين لا يستوعبون هذه المعركة الحقوقية بشتى أبعادها ويجدون أنفسهم أمام عدم استقرار حياتهم المدرسية. فالطلبة والتلاميذ التونسيون يمثلون أداة ضغط المعلمين والأساتذة لتتجاوز معاناتهم من منظومة تعليمية متردية إلى ضغوط نفسية نظرا لعدم انتظام الدروس فهم حاليا يجهلون مآل دروسهم وامتحاناتهم ومآل السنة الدراسية برمتها.

وقد أطلق أولياء الأمور صيحة فزع مما وصلت إليه الحالات النفسية لأبنائهم خاصة أولئك الذين يستعدون لإجراء المناظرات الوطنية. ويقول بعض الأولياء إن أبناءهم باتوا الضحية الأبرز في هذا الظرف، وأن عددا هاما منهم أصيب بالاكتئاب ويتلقى علاجا نفسيا، فالتلميذ هو الحلقة الأضعف في سلسلة المنظومة التربوية وهو اليوم يواجه هذه الاضطرابات دون أن يجد من يدافع عنه وعن مصالحه عدا عائلته.

ويشتكي الآباء من نفس الظروف الاجتماعية والاقتصادية أو أسوء من مواطنيهم في مجال التعليم، كما يمثل تعليم الأبناء الاستثمار الأكبر والأكثر أهمية في حياتهم وحتى في حال تسجيل الأبناء بالمؤسسات العمومية يتكبد الآباء مصاريف تعليمية باهظة رغم “مجانية التعليم العمومي” فإلى جانب مصاريف الكتب والأدوات المدرسية واللباس والتنقل.. يعاني أغلبهم من تكلفة الدروس الخصوصية التي باتت شرا لا بد منه حيث تلعب دورا رئيسيا في نجاح التلميذ أو رسوبه.

نخلص إلى أن التعليم في تونس قطاع يستدعي ثورة في حجم ثورة 14 يناير 2011 ليعاد وضع استراتيجيات تعليمية جديدة ترتقي بمستوى المدرّس والتلميذ والمؤسسات التعليمية وبجودة التدريس.

17