الطلبة اللبنانيون في الخارج ضحية أزمات الداخل

صعوبات كبيرة في تلبية الاحتياجات وأقساط الجامعات قد تجبر طلبة لبنانيين في الخارج على العودة إلى بلادهم والتخلي عن أحلامهم.
الاثنين 2020/11/30
عائلات تحتج من أجل مستقبل أبنائها الطلبة

بيروت – يواجه الطلبة اللبنانيون الذين يدرسون خارج البلاد تحديات صعبة في ظلّ الأزمة المالية الحادة التي يعاني منها لبنان منذ أكثر من عام وتداعيات جائحة كورونا التي أوقفت الدروس وحتى الحياة المهنية في أغلب دول العالم.

وتواجه الطالبة لارا مصطفى، التي تدرس الطب في روسيا، خطر الطرد وتلاشي حلمها بأن تصبح طبيبة، إذ عجز والداها تحت وطأة أسوأ أزمة مالية يشهدها لبنان منذ العشرات من السنين عن تحويل المال اللازم لسداد إيجار السكن وتكاليف معيشتها.

واضطر طالب آخر يدرس الطب يدعى وسيم هاشم (24 عاما) إلى ترك الدراسة في عامه الرابع بإحدى الجامعات الروسية للعودة إلى لبنان والعمل سائقا لتوصيل الطلبات بعد أن فقد والده وظيفته ولم يعد قادرا على إعالته.

لارا ووسيم اثنان من آلاف الطلبة الجامعيين الذين وجدوا أنفسهم فريسة للأزمة المالية اللبنانية التي بدأت في 2019 باحتجاجات شعبية على قيادات البلاد التي يتهمها المتظاهرون بالفساد وسوء إدارة الاقتصاد.

ونتيجة لهذه الأزمة منع النظام المصرفي العاجز عن سداد الالتزامات، والذي أقرض البنك المركزي والدولة أكثر من ثلثي أرصدته، المودعين من سحب أموالهم وتخلف لبنان عن سداد ديونه.

وأدت جائحة كوفيد - 19 إلى تفاقم البطالة وانهارت مؤسسات أعمال مع الانهيار الاقتصادي.

واعتاد لبنان أن يفخر بنظام التعليم فيه، وكانت البعثات التبشيرية الأميركية والفرنسية قد أقامت مدارس وجامعات في القرن التاسع عشر أصبحت منصات لدفع الطلبة اللبنانيين إلى استكمال دراساتهم في الخارج، وهو ما أصبح الآن حلما صعبا للجميع باستثناء الأثرياء الذين تمكنوا من الاحتفاظ بما يكفي من ثرواتهم خارج لبنان.

ويواجه بعض الطلبة صعوبات في تلبية احتياجاتهم حتى في دول منخفضة التكاليف نسبيا مثل روسيا.

وقالت لارا (23 عاما) من روسيا حيث تدرس بمنحة "بشكل عام بإمكانك القول إن أهلي غرقوا في الديون ليرسلوا لي نقودا"، مشيرة إلى أنها تعيش في سكن الطلبة وإن نظام الجامعة التي تدرس بها ينصّ على أنه إذا عجزت عن سداد مصروفات الإقامة فلن يتم طردها من السكن فحسب بل وحرمانها من دخول امتحان نهاية الفصل الدراسي.

وأضافت "حان الوقت للتقشف..لا بدّ أن نعدّ أموالنا بالقرش".

لا حلول جذرية

تمسّك بحلم الطب رغم الصعوبات
تمسّك بحلم الطب رغم الصعوبات

ينظم بعض آباء الآلاف من الطلبة اللبنانيين في الخارج احتجاجات خارج مصرف لبنان المركزي، مصرين على أن يلزم المصرف البنوك التجارية بتنفيذ مرسوم حكومي أقره مجلس النواب ويقضي بالسماح لأسر الطلبة الدارسين بالخارج بتحويل ما يصل إلى عشرة آلاف دولار سنويا بسعر الصرف الرسمي البالغ 1500 ليرة لبنانية للدولار لتغطية مصروفات التعليم والمعيشة.

ويقول الآباء والطلبة إن القانون يلقى التجاهل حتى الآن، وإن البنوك ومكاتب الصرافة ترفض إجراء تحويلات بالسعر الرسمي وتطلب بدلا من ذلك سعر السوق الذي يبلغ حاليا حوالي 8300 ليرة للدولار.

وقال رياض سلامة محافظ البنك المركزي إن القانون يحتاج إلى مراسيم لتطبيقه تصدرها الحكومة لا مصرف لبنان.

وقالت نداء حسن (47 عاما) والدة لارا إن الأسرة اعتادت أن ترسل لها ما بين 300 دولار و700 دولار شهريا لكنها أصبحت ترسل الآن مبالغ أقل.

كما نقلت أبناءها الآخرين من مدرسة خاصة وسجلتهم بمدرسة حكومية لأن مرتب زوجها الذي كان يعادل 2000 دولار في الشهر العام الماضي أصبح يعادل الآن 370 دولارا بعد انهيار قيمة العملة اللبنانية.

وقالت إن الأسرة لا تقترض المال في لبنان فحسب بل تقترض من أقارب في الخارج لكي تتمكن من إرسال المال إلى لارا. وأضافت "لا أعرف كم بلغت ديوننا؟ وهل سنتمكن من سدادها مستقبلا أم لا؟".

وفي تطور موجع حالت البنوك التي لم يعد بإمكانها الوفاء بديونها بين المودعين وأموالهم فأصبح من يمتلكون مبالغ ضخمة عاجزين عن السحب منها، في وقت يحاول الساسة اللبنانيون الحصول على مساعدات خارجية للمساهمة في تقليص الديون الهائلة لكنهم لم يبدأوا حتى الآن في تنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها المانحون المحتملون.

وتتعرض الطبقة المتوسطة في لبنان لضغوط شديدة وتحمّل الحكومة المسؤولية، مثل كثيرين غيرها من اللبنانيين.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن المشكلة تتفاقم بفعل عجز القيادات اللبنانية عن تشكيل حكومة منذ استقالة الحكومة الأخيرة في أغسطس  بسبب ما وصفته بالفساد المستشري.

مستقبل يواجه الخطر

لارا تواجه إمكانية طردها من الجامعة
لارا تواجه إمكانية طردها من الجامعة

كان محمد كسار (22 عاما) يدرس الطب في عامه الخامس بأوكرانيا بهدف أن يصبح ممارسا عاما عندما اضطر إلى العودة إلى الوطن في مايو الماضي لأن والده، الذي أفلست تجارة الأثاث التي يديرها، لم يعد قادرا على تحويل أموال له.

وتحدث كسار عن مرارة فقدان الأمل و"شعور بالقهر… فشعور الأمل لم يعد موجودا بداخلنا كطلبة لبنانيين"، مضيفا أن الأعوام الخمسة التي استثمرها في دراسته ضاعت عليه في عام واحد وأنه فقد بذلك الماضي والحاضر والمستقبل، أي كل شيء بعبارة أخرى.

وقالت نادية موسى والدة وسيم هاشم إن كل همها الآن هو توفير ما يقيم الأود. وتابعت "أين أحلامك هنا؟ حلمك أن تؤمن أكلك؟ هل تستطيع العيش والاستمرار؟ هل تستطيع الوقوف بجانب أولادك وتؤمن لهم الطعام حتى الخبز فقط؟".

أما وائل ديب حاج الذي يعمل استشاريا ويبلغ من العمر 30 عاما فقد ادخر المال طوال سبع سنوات وقبلت جامعة ييل إدراجه في برنامج للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال هذا العام، غير أنه بعد طلب وثائق من الجامعة رفض البنك تحويل رسوم الدراسة.

وقال إنه عندما أودع المال في البنك أبلغ العاملين بأنه مخصص للتعليم عندما تصبح الأوراق جاهزة، وقالوا له إن الملف سليم لكنهم طالبوه بنسيان الأمر عندما شاهدوا المبلغ المطلوب تحويله.

وقال إن هذا المال هو مدخراته بالدولار من عمله وإنه ظل يدخر المال سبع سنوات. وأضاف أن جامعة ييل وافقت على تأجيل دراساته للعام المقبل. وهو ينوي التقدم بطلب للحصول على قرض لكن القرض سيغطي حوالي 80 في المئة فقط من التكاليف ولذا سيضطر إلى العمل لتغطية بقية المبلغ.