الطليعة والمؤخرة

الخميس 2016/02/11

من يذكر حركات الطليعة التي اجتاحت الوطن العربيّ في ستّينات القرن الماضي، وأفرزت تجارب جريئة تقطع مع السائد، وتأملا نظريا كان من غاياته التأسيس لذائقة جديدة ورؤية للفنّ تلائم عصرا لا يني يتسارع. تلك الحركات، التي قادها مثقّفون مستنيرون، من خريجي الجامعات والعصاميّين على حد سواء، كانت تمدّ البصر إلى الأفق، إلى المستقبل، إلى ما لم يأت بعد، تستشرف مكوّناته وتستكشف مفرداته وتتشوّف إلى تجلّياته، أو ترسم منذ اللحظة الراهنة عناصره الكامنة كمون النّار في الحجر، وتستجمع الأدوات النّظرية لمقاربته.

وقد عُدّت إنجازاتها في حينها نخبويّة، بما يعني اقتصارها على من أوتي حظا من المعرفة، وكأن الفن يمكن إدراكه دون خلفيّة ثقافية ومعرفيّة.

ولكن رغم مـا اشتمـل عليـه بعضهـا مـن غموض وألغاز ورموز عصية على الفهـم، يحتـاج فكهـا جهدا مخصـوصا، فقـد كان لها فضل الجهد المبذول، وسبـق المغامرة، وإبـاء الركـون إلى المنجـز، وغنـم الفـاتحين.

ولولا تنكب المؤسسات التربوية عن تداول تلك التجارب لكان لها لدى الأجيال الجديدة حضور وتأثير، وربّما صانتها من الانغماس في كتب الدّجل والشّعوذة، أو التّماهي مع ثقافة الفرجة السّهلة، ذات المعين الخاوي.

أمّا الآن، ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، فالسّعي يكاد يكون عامًّا نحو العودة إلى الوراء، والارتداد إلى زمن مؤسطر، كان كلّ شيء فيه، حسب الأباطيل التي يتداولها الوُعّاظ في اطمئنان الجاهلين، على أحسن ما يُرام، لا يحتاج الفرد لإدراك معانيه إلا إلى قراءة كتب الأوّلين، والإنصات - عبر وسائل الاتّصال الحديثة - إلى مشايخ يعيدون إنتاج الخرافة، ويشترطون في من يعيرهم سمعه ألا يفكر، لأنهم يفكرون بدلا عنه، أو هو لا يحتاج أصلا إلى تفكير، ما دامت المادّة المقترحَة غير قابلة للنقاش والجدل والمساءلة، باعتبارها من تحصيل الحاصل، مسلمات تحفظ بحذافيرها ثم تستظهر عند الحاجة عن ظهر قلب.

فإذا نحن إزاء فئات لا تقيم في عصرها، تنبذ الفكر والفن والأدب والمسرح، وتكره كلّ ما هو جميل في الكون، بدءا بالمرأة وانتهاء بالموسيقى، وما بينهمـا نفائس الحياة الدّنيا التي صاغها الشعـراء والأدبـاء والفنانـون لاستكـناه أســرار الكـون وجعل اللامرئي مرئيا، متجليا يكاد يلمس.

ومن الطليعة وآمالها واستشرافاتها، صرنا في عصر مؤخَّرة، ليست كمؤخّرة الجيش الذي يحمي الظهر من العِدى، بل نحل متخلّفة تروم قيادتنا إلى ردّة حضارية، دعاتها حمقى يحسنون مخاطبة الأغبياء. وعادت بنا الأعوام رجعى إلى عصور تكفير المفكّرين وحرق مؤلفاتهم وحتى اغتيالهم باسم حقيقة مطلقة تدّعي تلك النحل امتلاكها.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15