الطموحات التوسعية لحكومة كردستان العراق تدفعها إلى استقطاب الأقليات

في الوقت الذي يحاول فيه المسؤولون الأكراد تهيئة الأجواء لتحقيق طموحهم بإنشاء دولة كردية في شمال العراق، يسعى مواطنو الإقليم إلى الهروب منه والارتماء في أحضان القارة العجوز، علها توفر لهم فرص حياة أفضل، بعيدا عن “هوس القادة”.
الأحد 2016/01/24
الأقلية ذات أهمية عند الحاجة

أربيل (العراق) - تحاول حكومة إقليم كردستان العراق استمالة الأقليات الموجودة في المناطق التي تسعى لضمّها إليها، في خطوة من شأنها أن تثير غضب الحكومة المركزية في بغداد.

وبدأت حكومة كردستان فعليا في تدريب وتسليح بعض الأقليات من المسيحيين والإيزيديين والتركمان والشبك في بعض المناطق بسهل نينوى.

كما سعت لضم المئات منهم ضمن قوات البيشمركة النظامية، وبات لزاما على هؤلاء الذي يتقاضون رواتبهم من وزارة البيشمركة الالتزام بتعليماتها.

وتقول حكومة كردستان إن هذه الخطوة تأتي في إطار تمكين هؤلاء من حماية مناطقهم من هجمات تنظيم الدولة الإسلامية.

وقد اتخذت على عاتقها العام الماضي على خلفية المجزرة التي تعرض لها الإيزيديون في قضاء سنجار بمحافظة نينوى على يد عناصر داعش مسؤولية تسليح شباب هذه الطائفة وإدماجهم في المعارك ضد التنظيم.

بيد أن محللين يرون أن خطوة حكومة إقليم كردستان تحمل أبعادا أخرى وهي تندرج في سياق محاولاتها استمالة الأقليات في كل من كركوك ونينوى وأيضا ديالى لمشروع الدولة الذي تطمح إليه.

وجدير بالتذكير أن مشروع دستور كردستان العراق ينص على أن “كردستان كيان جغرافي تاريخي، يتكوّن من محافظة دهوك ومحافظات كركوك والسليمانية وأربيل، وأقضية من محافظة نينوى، وقضاءي خانقين ومندلي من ديالى”.

ويقول مراقبون إن قادة الإقليم لن يتراجعوا عن خططهم بضم المناطق التي يعتبرونها تابعة لهم، رغم إدراكهم بما سيسببه ذلك من تصادم مع المركز.

ولا تقتصر مخططات الإقليم التوسعية سواء كانت في نينوى أو ديالى على استمالة الأقليات، بل تعدتها إلى أساليب وطرق أخرى.

وكانت حكومة الإقليم قد قامت من خلال ثلاث شركات أميركية وفرنسية وبريطانية بحفر خندق من مدينة ربيعة في الموصل وصولا إلى قضاء خانقين في ديالى في محاولة لـ”فرض أمر واقع وإقامة حدود لهذه الدولة الكردية”.

وتغيرت خارطة إقليم كردستان بشكل كبير منذ تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مدينة الموصل شمالي العراق منتصف عام 2014. وفرضت قوات البيشمركة التابعة لإدارة الإقليم هيمنتها على مدينة سنجار، كما ضمت محافظة كركوك الغنية بالنفط التي كانت تقع تحت سيطرة الحكومة في بغداد.

المفارقة في المشهد الكردي أنه وفيما يسابق الساسة لتهيئة الأجواء تمهيدا لإعلان دولتهم، يفضل المئات من شباب الإقليم الهروب واللجوء إلى دول أوروبية

ويسعى أكراد العراق منذ عقود إلى بناء دولة خاصة بهم في الشمال.

وقال رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في تصريح صحفي إن “إعلان الدولة الكردية بات الآن أقرب من أيّ وقت مضى”، مؤملا أن يكون ظهور هذه الدولة بمجرد إقدام القوى الدولية الكبرى على إعادة النظر في اتفاقية سايكس ـ بيكو التي رسمت الحدود في منطقة الشرق الأوسط في عشرينات القرن العشرين.

والمفارقة في المشهد الكردي أنه وفيما يسابق الساسة لتهيئة الأجواء تمهيدا لإعلان ولادة هذه الدولة وحشد الدعم الدولي لها، يفضل المئات من شباب الإقليم الهروب واللجوء إلى دول أوروبية.

فقد شهد الإقليم مؤخرا عمليات هجرة غير شرعية لمئات الشباب الكردي نحو القارة العجوز.

وتؤشر مثل هذه العمليات إلى أن حماسة المسؤولين وهوسهم بمشروع الدولة لا يلقيان نفس الصدى لدى الأجيال الجديدة.

ويفسر محللون ذلك بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها الإقليم، والتي تدفع بشبابه إلى ركوب قوارب الموت بحثا عن حياة أفضل.

وأمس السبت أطلق رئيس مجلس النواب الكردستاني يوسف محمد صيحة فزع، بعد ورود معطيات مؤكدة عن غرق سبعين مواطن من الإقليم في بحر إيجه.

وقال يوسف “صدمنا مرة أخرى، بخبر غرق مجموعة من مواطني إقليم كردستان في بحر إيجة بين تركيا واليونان، وهذه مرة من المرات العديدة، التي يغادر فيها المواطنون إقليم كوردستان، بسبب عدم وجود العدالة والأزمة المالية والمشاكل التي يبتلون بها، ويضعون حياتهم بيد قدر مجهول للوصول إلى حياة أفضل”.

واعتبر رئيس مجلس النواب أن “الهروب من الوطن، رسالة صادمة لكل الأطراف التي تتعامل بروح المسؤولية والعدالة مع المواطنين، ورسالة أخرى من الهجرة الجماعية للشباب والمواطنين، بالملل من النظام الحزبي والتفرد الذي وضع علامات استفهام حول الوجه الديمقراطي لإقليم كوردستان”.

وحذر يوسف محمد، “إذا لم نتحرك بسرعة ونراجع جميع جوانب حياة المواطنين وتوزيع العائدات بعدالة، فإن أفق المشاكل التي يبتلون بها سيزيد أكثر، وسيكون طريق النجاة أصعب”.

وأدى تراجع أسعار النفط إلى تفاقم المصاعب الاقتصادية لإقليم كردستان العراق والتي بدأت في مطلع عام 2014 عندما خفضت بغداد تمويل المنطقة ردا على خطوة الأخيرة بتصدير النفط الخام بشروطها الخاصة في سياق محاولاتها الاستقلال عن العراق.

وفي مسعى لمواجهة الأزمة عزز كردستان العراق صادرات النفط المستقلة العام الماضي إلى أكثر من 600 ألف برميل يوميا لكن في ظل الأسعار الحالية لا يزال الإقليم يعاني عجزا شهريا يتراوح بين 380 و400 مليار دينار عراقي (717 مليون دولار).

ونشرت دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كوردستان، مؤخرا تعميما إلى جميع ممثليات الإقليم في الخارج، دعتها فيه إلى طلب المساعدة من الدول التي تعمل فيها لقوات البيشمركة، ولتأمين متطلبات النازحين، وتجاوز الأزمة المالية.

وأكد ممثل حكومة إقليم كردستان في طهران، ناظم الدباغ، في تصريحات صحفية صحة التعميم، وقال “لدينا برامج للمطالبة بمساعدات مالية لمعيشة البيشمركة، إلى جانب المطالبة باستمرار المساعدات الاقتصادية للإقليم”.

وقد زار وفد من حكومة إقليم كوردستان الولايات المتحدة منتصف الشهر الحالي، وعقد سلسلة اجتماعات مع المسؤولين الأميركيين، طالبهم فيها بممارسة دورهم في دعم حكومة الإقليم لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي تواجه كوردستان.

كما اجتمع ممثل حكومة إقليم كردستان في بريطانيا كاروان جمال طاهر، مع وزير شؤون الشرق الأوسط في الحكومة البريطانية للغرض ذاته، وأوضح له تفاصيل الحرب ضد داعش ومشكلة النازحين والأزمة المالية، وطالبه بأن تقدم الحكومة البريطانية مزيدا من الدعم في جميع المجالات.

ويقول محللون إنه في ظل استمرار أزمة الإقليم فستستمر عمليات الهجرة السرية لمواطنيه الذين لم يعد حلم الدولة جاذبا لهم.

3