الطموح غير المحدود يُعمينا عما نمتلكه بالفعل

عدم القدرة على الشعور بالامتنان والرضا يفسد متعة الحياة ويحبط المعنويات.
الأربعاء 2019/07/10
الاستمتاع بالحياة سهل

أكثر ما يعكر صفو حياتنا، هو شعورنا بعدم الرضا والامتنان لما نمتلكه. ما استطعنا إنجازه وما هو في أيدينا فعلاً سواء أكانت أشياء مادية أو معنوية. أن يشعر الإنسان بالامتنان بما حققه فسينتهي به الأمر للحصول على المزيد، أما إذا كان همه الأول النظر للأشياء التي في يد الآخرين وليس في مستطاعه الحصول عليها بسهولة فإنه ربما لن ينجح في تحقيق أمله مطلقاً لأنه سيتطلع دائما إلى أمل آخر وحلم جديد، يبدو الأمر في حينها وكأنه صراع دائم مع النفس لتحصيل المزيد والمزيد، ولن يحقق له هذا الأمر في النهاية الشعور بالرضا والاكتفاء.

يجهل بعض الناس بأنهم محظوظون فعلاً في هذه الحياة لأنهم غير صادقين مع أنفسهم، كونهم أعضاء في أسرة سعيدة، يتمتعون بصحة جيدة، ويمتلكون عملا مستقرا، ومنزلا جميلا وصحبة رائعة من الأصدقاء. يدفعهم جهلهم هذا إلى العيش في دوامة من الهموم والقلق والخوف من المستقبل المجهول، وهم بذلك قلّما يستمتعون بالنعم التي في أيديهم تلك التي يفترض أن توفر لهم مساحة من الشعور بالاطمئنان والامتنان والتطهر من القلق.

تؤكد الاختصاصية النفسية، إلين كوهين؛ وهي كاتبة ومدوّنة أميركية، أننا جميعا قد نخوض صراعات وندخل في دوامات مشاكل غير محتملة في حياتنا اليومية، من شأنها أن تعيقنا عن النظر إلى الجوانب المشرقة في حياتنا فنتغاضى عنها ونغفل عن رؤية الصورة العامة، لننشغل باللحظة الفارقة التي تبدو فيها الأشياء معتمة والمشاكل كبيرة ومستعصية على الحل. لهذا، من المهم بين الحين والآخر أن نتوقف قليلا… نلتقط أنفاسنا وننظر إلى ما حولنا وما حققناه بالفعل… حلقات متتابعة من الإنجازات والإيجابيات الكثيرة التي تحيطنا.

تقول إلين “شخصياً، أقدر ما حصلت عليه؛ المشهد الجميل الذي تطل عليه نافذة غرفتي، صحتي الجيدة وقدرتي على المشي، الطعام الذي استمتع به، أن يكون لي منزل وبنات جميلات والأهم أنني ما زلت بعد على قيد الحياة وبإمكاني أن أجرب أشياء جديدة كل يوم. عندما أفكر بكل هذه يتملكني الفضول وأسأل نفسي؛ ترى لماذا لا يمكنني الاستمتاع بهذه اللحظات النادرة من الصفاء الذهني الذي يزيح عني الكثير من الهموم والقلق على المستقبل، كوني أمتلك كل هذه الأشياء الجميلة؟ ولماذا أقطع الوقت للتفكير في ما ينقصني وما يتوجب عليّ الحصول عليه، على الرغم من الانجازات الكثيرة التي حققتها بالفعل؟”.

وتتابع “في الحقيقة، أدرك بأن الطمع في المزيد والنظر إلى ما يمتلكه الآخرون هو سرّ تعاستنا، ربما يخيّل إلينا بأن السعادة كامنة وراء هدف معيّن إذا ما تسنى لنا تحقيقه اكتمل الحلم والمراد، لكن تحقيق هذا قد لا يكون كافيا من وجهة نظرنا لذلك يدفعنا طموحنا غير المحدود فنسعى لتحصيل المزيد والمزيد الأمر الذي يعمينا عن ما نملكه بالفعل، السعادات الصغيرة والإنجازات وكل ما نمتلكه في هذه اللحظة بالذات.. هي وحدها قد تكون السعادة التي نحلم بها”.

النصيحة التي تقدمها إلين كوهين للناس هي؛ أن يتوقفوا عن مقارنة أنفسهم بالآخرين، أن يتقبلوا ذاتهم ويشاركوا أحباءهم اللحظات الجميلة.. أن يعيشوا حاضرهم ويستمتعوا به لأن الوقت الذي يمضي لا يمكن أن يعود.

ليست الصدمة من تضعف قدرتنا على المقاومة إنما رغبتنا في امتلاك أشياء ولأننا نضع في الحسبان ما نريد أن نمتلكه

عندما نتعامل مع مواقف صعبة أو صادمة، سيكون من الصعب علينا الاستماع إلى مثل هذه النصائح، فتقديرنا للأشياء البسيطة التي نمتلكها قد لا يعوضنا عن الشعور بالخسارات والصدمات. هذا هو لب المشكلة تحديداً؛ الإحساس العميق بالفقد والخسارة المادية والمعنوية إنما لا يكون وليد لحظته.. فليست الصدمة هي من تضعف قدرتنا على المقاومة إنما رغبتنا في امتلاك أشياء كثيرة ولأننا نضع في الحسبان ما نريد أن نمتلكه وليس ما نمتلكه في الواقع وهذا مردّه إلى عدم قدرتنا على الشعور بالامتنان والرضا، في الوقت الذي يعاني فيه بعض الناس كثيرا لافتقادهم سبل العيش التي نراها بسيطة، فقط لأننا نمتلكها فلا نشعر بمدى أهميتها.

في رواية “كوخ العم توم” للروائية الأميركية هارييت ستاو، التي صورت فيها الكاتبة حياة الزنوج الأميركيين قبل الحرب الأهلية. كانت المؤلفة قد أشارت في تصريح لها عن الرواية إلى أنها لم تؤلف هذه القصة “كل ما فعلته أني دونتُ ما شهدته بعيني في بعض ولايات الجنوب”!

حين نتبع سيرة أبطال الحكاية، نشعر بهذه المرارة التي تكبّل أرواح هؤلاء وهم يتوقون إلى العيش كسائر الناس ولا يجدون سبيلاً لذلك. جاء على لسان البطل الذي قرر سيده أن يبعه لسداد دينه “إني أسلم نفسي إلى الله وليس من شيء يمكن أن يذهب أبعد مما يرسمه هو. والحق أن هناك شيئا واحدا أستطيع أن أحمده عليه وهو أن السيد باعني أنا، ولم يبعك أنتِ أو يبع أحدا من أولادنا، أنتم هنا في مأمن، وكل شر قد يقع خليق بأن يصيبني وحدي. ولست أشك في أن الله سوف يساعدني على احتماله”. في مكان آخر، كانت سيدة كبيرة في السن تجاهد وهي تقف في مزاد لبيع العبيد وتتوسل مالكها أن يتم بيعها مع ابنها لسيد واحد وهي تقول “قل لهم أن لا ينظروا لي نظرتهم إلى شيء بالٍ أو مهترئ. إني لا أزال قادرة على أن أطبخ وأغسل، وأجلي. قل لهم ذلك، قل لهم إنه لن يباع إلا معي.. ابني أنا وهو نؤلف صفقة واحدة”!

إن بعض البشر الذين يشبهوننا يتوقون إلى أن يعيشوا حياة بسيطة وأن لا يستعبدهم بشر مثلهم، لكنهم كانوا يقسرون في كل يوم على ترك زوجاتهم وأطفالهم حين يضطر سيدهم إلى بيعهم لسيد آخر. فأي مصير تعيس هذا؟

21