الطهرانية المسيحية تحت مجهر الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو

"اعترافات اللحم" كتاب يصدر بعد 34 عاما من وفاة فوكو والذي يناقش فيه مفاهيم الجنس في ظل نصوص رجال الدين المسيحيين في القرنين الرابع والخامس.
السبت 2018/03/10
نقد علاقة الفرد بلحم الآخر

بعد 8 سنوات من صدور الجزء الأول من كتاب “تاريخ الجنسانية” لميشال فوكو صدر جزآن إضافيان للكتاب تابع فيهما مشروعه البحثي ضمن حقب مختلفة متتبّعا مفاهيم الجنس واللذة كموضوعين سياسيين يخضعان للهيمنة ضمن الخطاب الطبي والسياسي.
وأخيرا احتفت الأوساط الأكاديمية والفكرية هذا العام بالجزء الرابع من تاريخ الجنسانيّة لميشال فوكو بعنوان “اعترافات اللحم” الصادر عن دار غاليمار، ففوكو الذي أرسل المخطوطة للنشر منذ 34 عاما توفي قبل أن يكمل تصحيحها نهائيا، وبقيت حبيسة الأرشيف حتى الآن، لنرى أنفسنا أمام كتاب يحوي الأبحاث التي عمل عليها في المكتبة الوطنيّة ولمح لها في محاضراته في الكوليج دو فرانس، وأنهى النسخة الموسعة والشاملة منها في بداية الثمانينات من القرن الماضي، إذ يناقش فوكو مفاهيم الجنس في ظل نصوص رجال الدين المسيحيين في القرون الأولى للمسيحيّة وخصوصا القرنين الرابع والخامس، باحثا في كيفية التعامل مع موضوعة اللذة في ظل المؤسسة الدينيّة ونصوصها.

 

صدر عام 1976 للفرنسي ميشال فوكو الجزء الأول من كتاب تاريخ الجنسانية بعنوان “إرادة المعرفة” بوصفه القسم الأول من مشروعه لدراسة الظاهرة الجنسانيّة والقوى الحيويّة من وجهة نظر أحفورية ومعرفيّة، حيث الجسد واللذة المرتبطة به محطّ القوى والمؤسسات السياسية والدينيّة والطبيّة، فالأخيرة هي التي تحدد الحقيقة وترسم معالمها وكيفية الوصول إليها

اللذة كموضوعة دينية

يتناول الكتاب ممارسات الطاعة التي يحددها الخطاب الديني، وكيف تم تحويل هذه الممارسات إلى حقيقة يوميّة وسياسية يجب على “المسيحيين” اتباعها كي يكونوا جزءا من النظام الرباني، وخصوصا أن هذه الممارسات لا تنتمي فقط إلى الفضاء الخاص كالعفة والامتناع عن الرذيلة، بل لها ممارسات مؤسساتية وعلنية كالاعتراف والتعميد، فيما نظام الطاعة هذا قائم عبر مجموعة من الاستراتيجيات التي يطلقون عليها “الحوكمة المسيحيّة” والتي يتحول الجسد فيها حتى في الفضاء الخاص إلى موضوعة دينيّة متحكم بها من قبل الكنيسة.
ويتناول فوكو المفاهيم المرتبطة بهيمنة الكنيسة والنصوص المرتبطة بها وخصوصا تلك التي تنظم السلوك الجسدي وعلاقة الفرد بلحم الآخر، عبر تنظيم الزواج والعفة وعلاقة هذه السلوكيات بالمنطق المسيحي “اللوغوس” ثم الطقوس الجسدية التي تتيح للفرد الدخول في مملكة الرب كالتعميد والعذرية والامتناع عن الممارسة الجنسيّة، موضحا كيف أن الجسد الطاهر مشابه لجسد الرب الذي لا لبس فيه ولا دنس، ممهدا للقسم الأخير من الفصل بعنوان “فن الفنون” وفيه يناقش مفهوم الرقابة الذاتيّة والدلائل النصيّة والسلوكيّة التي على الفرد اتباعها ليحافظ على جسده من النجاسة، فهذه الممارسات التي كانت حاضرة أيضا لدى اليونان والرومان تشمل الاعتراف والمراسلات وغيرهما من السلوكيات التي تنتمي إلى منظومة قوانين مسيحيّة طهرانيّة.
الفصل الثاني من الكتاب بعنوان “أن تكون عذراء” وفيه يناقش فوكو مفهوم العذرية وفنونها وعلاقتها مع الذات الإلهية، إذ يوضح كيف اعتبرت امتيازا ذا قيمة روحانيّة يعيد تشكيل رؤية الفرد لذاته، إذ يناقش الأساليب والفنون المتبعة للحفاظ عليها، إلى جانب الانتقادات الموجهة للزواج كمؤسسة وكممارسة تبيح انتهاك الجسد وتحويله إلى لحم حامل للذّة، إذ يسائل المفاهيم المسيحيّة المرتبطة بالسقوط من الجنة، كون الناس هناك كلهم عذارى حسب الرواية الدينيّة، وسقوطهم من الجنة هو تدنيس لهم وتوريط في متع الحياة الجسديّة التي تبعدهم عن حالة العذرية الربانيّة. 
ويناقش فوكو أيضا أسطورة الخلق ودور حواء من وجهة نظر مسيحيّة، بوصفها أبعدت آدم عن وجه الرب ورغّبته في التماهي معه، خالقة لديه رغبة جديدة في أن يكون قريبا منها، لتتحول إلى عائق في حياة الرجل الروحيّة، الذي نراه في سعي دائم إلى إغلاق جسده عن العالم الخارجي بحسب تعبير في وصفه للمنطق المسيحي. 

الزواج والعيب التراجيدي في الجسد البشري إثر سقوطه من الجنة
الزواج والعيب التراجيدي في الجسد البشري إثر سقوطه من الجنة

واجبات الزوجة

ينتقل فوكو في الفصل الثالث من الكتاب إلى مفاهيم الزواج، وماذا يعني أن يكون المرء زوجا أو زوجة مسيحيّة، وذلك عبر تحليل خطاب الزواج وعلاقته بالعفة وواجبات الزوجة إلى جانب القنوات المسموحة لتفريغ طاقة الليبيدو، وخصوصا أن طاقة التكاثر هذه تعتبر وصمة عار في الجسد ولا بد من التحكم فيها والهيمنة عليها، وكأنها العيب التراجيدي في الجسد البشري إثر سقوطه من الجنة، وعلى الأرض على الفرد أن يتحكّم بهذه الطاقة كأن يتعامل مع أعضاء التكاثر لديه كأي عضو آخر من الجسد، بوصفها خاضعة لإرادته الكليّة.
ويعتمد فوكو في تحليله على النصوص ذات الصفة الرسميّة أو شبه الرسميّة بوصفها انعكاسا للحقيقة المهيمنة، وعلى المؤسسات التي تمارس السلطة على الجسد، وعبر هذه الاستراتيجيّة يحلل السلوكيات التي تعكس الحقيقة الجسديّة والسلوكيات المرتبطة بها، بوصف هذه الحقيقة نتاج شبكة من علاقات القوة المتغيرة، والتي في كل لحظة تقدم رؤية جديدة عبر تهميش حقائق ما واعتماد أخرى كون عناصرها ليست ثابتة بشكل دائم، إذ يتم التركيز على تأويلات مرتبطة بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي المهيمن وإهمال أخرى.
وبحسب فوكو فإن الممارسات المسيحية المرتبطة باللذة، هي إما محاولات لتأويلها وربطها بالربانيّ وإما محاولات لكبحها وعدم الاندفاع وراءها، وكأن عملية الامتناع هذه هي التي تكون الذات الطهرانيّة، تلك التي يليق بها أن تقابل الرب لاحقا، فالتعليمات والفنون المختلفة أشبه بممارسات لصقل الذات ومحاولة لإقامة نظام “طبيعي” للحياة، وهنا تبرز أهم الانتقادات التي يوجهها فوكو للطبيعة البشريّة، بوصفها نتاج سلسلة من علاقات القوة وخطابات الهيمنة التي تكوّن وعينا بذواتنا وترسم طريق سعينا لكي نكون “طبيعيين”.

14