الطوارق أو "بدون ليبيا": تائهون في صحراء الإهمال دون وثائق ثبوتية

الدبيبة يبحث حلّ مشاكل فاقدي الجنسية العاجزين عن التمتع بحقوق المواطنة.
الثلاثاء 2021/09/28
ليبيون على الأرض "غير ليبيين" في الوثائق الرسمية

وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبدالحميد الدبيبة جهوده لحلّ مشكلة الجنسية التي حُرم منها الآلاف من أفراد المجتمع طوال عقود، وفي مقدمتهم الطوارق الذين يعدون “ليبيين” على مستوى الهوية والانتماء الجغرافي، لكنهم لا يمتلكون مؤيدات قانونية، مما سيحرمهم من المشاركة في الاستحقاق الانتخابي المقرر في ديسمبر القادم.

طرابلس - أصدر رئيس مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبدالحميد الدبيبة مطلع هذا الأسبوع قرارا بشأن تشكيل لجنة مركزية للجنسية وتقرير بعض الأحكام.

وتختص اللجنة بمراجعة الإجراءات المحالة إليها من اللجان الفرعية للتأكد من مدى استيفائها للشروط والأوضاع القانونية، والبت في صحة نتائج أعمالها، وتكون قراراتها مسببة وبموافقة أغلبية أعضائها، وعلى أن تشكَل لجان فرعية بالمناطق ويصدر بشأنها قرار من وزير الداخلية، وبالتالي تتولى اللجان الفرعية استلام طلبات الحصول على الجنسية الليبية، لأبناء المواطنات الليبيات، ولزوجة المواطن الليبي والأرملة الحاضنة والمطلقة الحاضنة، وأبناء المواطن المتجنس الذين لم يتم إدراجهم بشهادة جنسية والدهم، ومن كانت أصوله ليبية ولم يستطع إثبات انتمائه إلى الأصل الليبي، والقرارات التي صدرت بمنح الجنسية والبت في مدى صحتها.

كذلك تتولى اللجان الفرعية دراسة طلبات الحصول على الجنسية الليبية وإثبات صحة الانتماء إلى الأصل الليبي لمن يقيمون في دائرة اختصاصها وإبداء الرأي فيها، على أن تحيل نتائج أعمالها إلى اللجنة المركزية، وعلى اللجنة الاستعانة بمن ترى لزوم الاستعانة به في سبيل إنجاز أعمالها، بالإضافة إلى منح مكافأة مالية شهرية لرئيس وأعضاء اللجنة المركزية والفرعية بواقع ألفي دينار تصرف من وزارة الداخلية.

قرار مؤجل 

وجاء هذا القرار في ظل سلة إصلاحات تحاول حكومة الدبيبة تنفيذها، لاسيما في ما يتعلق بفاقدي الجنسية أو “بدون ليبيا” الذين يواجهون حالة من التهميش منذ عقود خلت، ويفتقدون إلى مستندات الانتماء، وبالتالي يعجزون عن حقوق المواطنة كالترشح للمسؤوليات السياسية والتنظم الحزبي والانتخاب والسفر والتوظيف في مؤسسات الدولة والتمتع بالخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية والقروض والمنح المالية.

واستنكر رئيس المجلس الاجتماعي الأعلى لطوارق ليبيا مولاي اقديدي، عدم الالتزام بالبندين الثاني والثامن لخارطة طريق الحل الشامل في ليبيا، اللذين ينصان على ضرورة معالجة أوضاع الطوارق في البلاد باعتبارهم مكونا أصيلا، له كافة الحقوق الدستورية التي كفلها القانون لليبيين.

الطوارق حرموا مؤخرا من حق الترشح والتصويت في الانتخابات بعد أن تم اشتراط الحصول على رقم وطني

ووفق مولاي اقديدي، فإن قرابة 17 ألف أسرة طارقية ستمنع من المشاركة في الاستحقاق الانتخابي القادم، حيث أن “الحكومات المتعاقبة، لم تصرف لهم الرقم الوطني رغم حصرهم من قبل لجان حكومية منذ العهد السابق ووجود ملفاتهم لدى مصالح الأحوال المدنية”، كما أن “هؤلاء محرومون من كل الخدمات التي تستوجب وجود أوراق ثبوتية كالعلاج والسفر والحج والتعيين في المناصب الحكومية، وليس التسجيل في السجل الانتخابي فحسب”.

وكان هؤلاء الطوارق قد شاركوا في انتخابات 2012 عندما تم فتح سجل الناخبين للجميع، لكنهم حرموا مؤخرا من حق الترشح والتصويت بعد أن تم اشتراط الحصول على رقم وطني.

وأعربت منظمة “إيموهاغ” الدولية عن استيائها البالغ مما وصفته بالإقصاء العنصري ضد مكون الطوارق في ليبيا، لاسيما في حق المقيدين في ما بات يعرف بالسجلات المؤقتة، وحمّلت الحكومة والمجلس الرئاسي مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية السيئة لهذه الشريحة، مستنكرة في الوقت ذاته عدم امتثال الحكومة الحالية للمادة الأولى من الاتفاق السياسي الليبي، التي تلزم الحكومة بضرورة تسوية أوضاع مواطنيها قبل الرابع والعشرين من ديسمبر القادم، وطالبت بالإفراج الفوري عن قرارات الجنسية الصادرة منذ عقود.

وكان حراك “لا للتمييز ليبيا تجمعنا” دعا السلطات الرسمية إلى التدخل بشكل مباشر بشأن صرف الرقم الوطني لأبناء الطوارق الذين يعانون الإهمال والتهميش الممنهج من بعض جهات الدولة، وقال “رغم مناداة أبناء الطوارق المستمرة لتسوية ملف الرقم الوطني، إلا أننا لم نجد آذانا صاغية، ما ترتب عليه التخوف من الاستبعاد من المشاركة في بناء الدولة الليبية، التي تمر بمرحلة صعبة وتحتاج فيها ليبيا إلى تضميد جراح كل أبنائها للابتعاد بها عن نهج الفوضى والاقتتال والتدابر والتنافر”، مشددا على أهمية تفعيل القرارات الصادرة بخصوص صرف الرقم الوطني لمن يستكمل الإجراءات لذوي السجلات المؤقتة وشروط منح الجنسية الليبية وفقا للتشريعات النافذة.

واعتبر رئيس تنسيقية شباب الطوارق السالك مختار أن “هناك شرائح موجودة في الجنوب الليبي، وحقيقة هم ليبيون ولهم رقم قيد، لا يريدونهم أن يكملوا إجراءاتهم الثبوتية، وهذا يحرمهم من أبسط حقوق العيش، بالإضافة إلى ما يخص تشغيل الشباب العاطل عن العمل منذ سنوات. الآن الشباب يتجه إلى الجريمة المنظمة وهذا شيء مؤسف“.

ملف سياسي

Thumbnail

وفيما يمثل طوارق ليبيا مكونا أساسيا من النسيج الاجتماعي للبلاد، إلا أن الآلاف من طوارق دول مجاورة كمالي والنيجر وصلوا إلى الصحراء الليبية خلال السبعينات من القرن الماضي، فرارا من حالة الجفاف في مناطقهم وسعيا للاندماج مع أبناء عمومتهم، ووجدوا ترحيبا من الزعيم الراحل معمر القذافي الذي كان يصفهم بعرب الجنوب، ويعتبرهم من أحفاد الفاتح طارق بن زياد، وكان يبدي نحوهم تعاطفا أعطاه سلطة معنوية ومادية عليهم، ما جعلهم يطلقون عليه لقب “أمغار” أي قائد لهم.

وفي العام 2005 استقبلت ليبيا أعدادا أخرى من الطوارق الفارين من الصراع الدامي آنذاك بين مالي والنيجر، وفي أكتوبر 2009 تعهد القذافي بمنح جوازات سفر ليبية رسمية للطوارق، واعتبارهم مواطنين أصليين في بلاده.

وقد نظرت قوى إقليمية ومنها الجزائر إلى أن القذافي يحاول بناء كيان للطوارق والاستقواء بحضورهم الكبير في منطقة الصحراء الكبرى لتنفيذ طموحاته التوسعية، ففي العام 2006 دعا القذافي من مدينة تمبكتو شمالي مالي، قبائل الطوارق والجماعات العرقية التي تعيش في الصحراء الكبرى إلى الاتحاد وإقامة فيدرالية واحدة، وهو ما أثار غضب الجانب الجزائري الذي اعتبر أن الزعيم الليبي تجاوز الخط الأحمر.

وينتشر الطوارق في جنوب الجزائر وجنوب غرب ليبيا وشمال مالي وشمال النيجر وشمال بوركينا فاسو. وتمتاز مناطق الطوارق في هذه الدول بأنها مناطق صحراوية الأكثر جفافا والأقل سكانا من غيرها من مناطق الدول المذكورة، ولكن بالرغم من ذلك فإن هذه المناطق تحوي أكبر مخزون للطاقة في أفريقيا.

وفي أغسطس 2010 قال سيف الإسلام القذافي “إن الطوارق هم أكبر دليل ديموغرافي وتاريخي على أن أفريقيا هي أرض واحدة ودولة واحدة، وإن امتداد قبيلة الطوارق في ليبيا والنيجر والجزائر ومالي يجب أن يتخذه الطوارق دافعا للتعجيل بقيام دولة أفريقية واحدة، هي الولايات المتحدة الأفريقية”.

في حين سيحرم عشرات الآلاف من الليبيين من حقهم الانتخابي كونهم دون جنسية، فإن الحكومة باتت تبحث عن حل قانوني واجتماعي وإنساني

وأضاف “إن الطوارق هم الرابط الذي يربط شمال أفريقيا من ليبيا إلى موريتانيا”، موضحا أن “الطبيعة والتضاريس الأفريقية والديموغرافيا الأفريقية هي من صنع الاستعمار، وأن الطبيعة والتضاريس الأفريقية تؤكد ما يدعو إليه الزعيم الليبي بأن أفريقيا هي جسد واحد وأن الولايات المتحدة الأفريقية هي مصير لا مناص ولا تراجع عنه”.

وبمناسبة انطلاق المهرجان الثالث لشباب الطوارق بمدينة أوباري (980 كم جنوب غرب العاصمة الليبية طرابلس)، دعا سيف الإسلام إلى “ضرورة اندماج شباب الطوارق في صفوف القيادات الشبابية والإدارية في ليبيا”، مشيرا إلى أنه “آن الأوان لشباب الطوارق لأن يعرفوا حقوقهم”، وعندما انطلقت أحداث 2011 حافظ الطوارق على ولائهم للنظام “الجماهيري” وانخراط عدد منهم في المعارك.

وبسقوط نظام القذافي غادر البعض منهم الأراضي الليبية عائدين إلى مالي وتشاد وهم في الغالب من الوافدين حديثا إلى ليبيا، فيما تعرض البعض الآخر إلى القتل والتشريد، ولاسيما في مدينة غدامس الواقعة في المثلث الحدودي مع تونس والجزائر، كما تحمّل الطوارق وزر الولاء لنظام القذافي ووجد الكثير منهم أنفسهم مشردين في مخيمات اللجوء.

وفي العام 2014 شهدت مدينة أوباري جنوبي غربي ليبيا مشاجرة بين أشخاص من قبيلتي الطوارق والتبو، تحوّلت إلى مواجهات مسلحة بين القبيلتين ازدادت حدتها واستمرت قرابة العام وأدت إلى مقتل المئات من الجانبين وإلى نزوح 18 ألفا و500 شخص، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.

ويطمح الطوارق للحصول على الجنسية الليبية للاستقرار ونيل حقوقهم السياسية والاجتماعية، وهم لا يختلفون في ذلك عن عشرات الآلاف من قبائل وجماعات أخرى لا تزال تعيش في ليبيا منذ عقود طويلة دون اعتراف رسمي بها، ومن بينها التبو، وقبيلة الجرامنة النازحة منذ أكثر من 200 عام من جنوب غرب الجزائر، ولا تزال العشرات من الأسر منها تهيم في صحراء الحمادة دون أوراق ثبوتية.

ويطالب الآلاف من التبو بالجنسية الليبية، معتبرين أنفسهم ضحايا للنظام السابق الذي قرر خلال حروبه المتقطعة مع تشاد من 1978 إلى 1987 منح الجنسية لسكان إقليم أوزو، ما جعلهم ينتشرون في عدد من المدن الليبية كالكفرة ومرزق وسبها، ولكن بصدور حكم محكمة العدل الدولية باعتبار ذلك الإقليم تشاديا في العام 1994 تم سحب الجنسية منهم، فسعوا للتمرد على النظام في العام 2008.

وفي نوفمبر 2009 بدأت الحكومة برنامجا للترحيل الإجباري وهدم منازل التبو، تاركة الكثير منهم بلا مأوى، في حين تم اعتقال العشرات من المحتجين على هدم منازلهم. وفي العام 2011 أعلن عن إلغاء مرسوم 1994 والعودة إلى منح الجنسية للمتحدرين من إقليم أوزو.

وفي حين سيحرم عشرات الآلاف من الليبيين من حقهم الانتخابي كونهم دون جنسية، فإن الحكومة باتت تبحث عن حل قانوني واجتماعي وإنساني يرى مراقبون أنه لن يتحقق إلا بتجاوز النزعة السياسية للملف، وبالبحث عن منطلقات جدية لفهم طبيعة القضية، ولاسيما أن الملف يشمل فئات أخرى من المجتمع من غير الطوارق تمتلك مؤيدات الهوية والانتماء الكامل إلى الجغرافيا الليبية دون أن يتجسد ذلك على الورق.

7