"الطواريد" كوميديا من بيئة بدوية

لطالما قُدمت البيئة البدوية في الأعمال التلفزيونية كبيئة حاضنة للصراعات القبلية، ومليئة بالنزاعات العشائرية، ما أسبغ على الدراما البدوية سربال التراجيديا الدائم. الذي لم يفارق أغلب الأعمال التي قدمت من هذا النوع، وقليلا ما نرى عملا كوميديا من عوالم البادية.
الثلاثاء 2016/08/02
فتنة البادية

في هذا الموسم الدرامي، يذهب أصحاب مسلسل “الطواريد” -تأليف شادي دويعر ومازن طه، إخراج مازن السعدي- إلى مكان آخر في البيئة البدوية، مكان أكثر مرحاً، وأقل بؤسا وآلاما.

في فضاء البادية المقفر تجري أحداث المسلسل التي تروي قصة حياة قبيلة الطواريد العربية التي تسكن البادية.

لكن هنا لن تتخذ الحكاية المسار التراجيدي القائم على الصراعات الداخلية في القبيلة، إنما تتخذ مسارا كوميديا قائما على المفارقة المضحكة، يظهر فيها أثر التكنولوجيا والتطور المعلوماتي على حياة القبيلة ذات التقاليد الراسخة.

فزعيم القبيلة طرود عبد الهادي الصباغ، ما فتئ يدافع عن التقاليد الأصيلة في وجه الهجمة التكنولوجية على القبيلة، ودخول الموبايل ووسائل التواصل الاجتماعي في حياة أبناء القبيلة، وتأثيرهما على أعيان القبيلة سمعان، تيسير إدريس، وأبومهند، محمد خاوندي.

لزعيم القبيلة طرود ابنة فاتنة هي وضحة، نسرين طافش، فارسة القبيلة التي تضع شروطا لزواجها مجملة بالفوز عليها في المبارزة ومن ثم حل اللغز الذي تطرحه على الخاطب الجديد.

طالب يد وضحة سيجد عقبات أخرى غير اللغز والمبارزة، تتمثل في المقالب الفاشلة التي يصطنعها بطلا المسلسل خلف، محمد حداقي، ومهاوش، أحمد الأحمد، اللذان يحلمان بود وضحة ليل نهار، ويسعيان له لا سيما أنهما لقيطان وجدهما طرود في صغرهما وأرضعهما من نساء القبيلة فأصبحت بذلك جل بنات القبيلة أخواتها بالرضاعة ما جعل من وضحة خيارهما الأول والأخير للزواج، يدافعان عنه بكل الوسائل المتاحة.

الصراع بين التقاليد والتكنولوجيا الحديثة والصراع على قلب وضحة ليسا هما مبعث الكوميديا الأساسي في العمل، بل لو وقف صناع العمل عند هذا الحد لما استطاع “الطواريد” تقديم كوميديا أصيلة ولوقع في فخ التهريج، والعمل ليس منه براء في البعض من الأحيان، إنما عمل الممثل على الكاركتر وصقل هذا الكاركتر بصفات تبعث على الكوميديا والإضحاك هو العامل الرئيسي لنجاح الكوميديا في “الطواريد”.

فشخصيتا خلف، ومهاوش هما أساس الكوميديا في العمل، ومبعث الإضحاك الرئيسي، إذ يبني حداقي شخصية خلف على الغباء المفرط الباعث على الإضحاك من شدة البله، الذي أتقن تأديته حداقي على أحسن وجه، فاقتراحات خلف على امتداد الـعمل وأفعاله تدلل بشكل واضح على بساطة هذه الشخصية من جهة وتقـدم كـوميديا نابعة من تناقض التفكير والفعل من جهة أخرى، كل ذلك موضوع في كاركتر اختاره حداقي لشخصية خلف يتمثل في تلعثمه الدائم في الكلام وضحكــته البلهاء الدائمة دونما ســبب.

كذلك الحال مع شخصية مهاوش التي دفعها أحمد الأحمد كما هي عادته إلى أقصى حدود الكوميديا الممكنة، إذ دائما يظهر مهاوش على أنه الأخ الأذكى، يخطط لخلف ويدفع به إلى أفعال يعتقد أنها ناجعة، لكن سرعان ما يتبدى غباء اقتراحاته ورعونتها، ناهيك عن استخدامه للمفردات الإنكليزية بين الفينة والأخرى للتدليل على ثقافته وتمايزه.

على المقلب الآخر، يقدم أيمن رضا دورا كوميديا كبيراً عبر شخصية أبوشهاب رئيس المخفر القائم في القبيلة. يتدخل في كل الأمور في القبيلة، يتضخم عنده داء العظمة، فهو يرى نفسه ممثل السلطة الأوحد في القبيلة، يطلق النار في الهواء عند كل مناسبة، لا يرتدي الزي العسكري التقليدي، بل يضع رتبه على عباءة في محاكاة لزي أبناء القبيلة، ويستمع إلى موسيقى كلاسيكية على الدوام في مخفره الذي أقامه داخل بيت شعر كما هي حال بيوت القبيلة، ليقدم بذلك شخصية كاريكاتورية ساخرة من صورة القائد المفدى الأوحد.

في “الطواريد” ليست الحبكة هي الدافعة للكوميديا، بقدر عمل الممثلين كل على شخصيته، ففي الأوقات التي لا يظهر فيها الممثلون السابق ذكرهم، يشعر المشاهد وكأن العمل يقع في فخ التطويل والتهريج، لذلك كان عمل الممثلين هو الأساس في كوميديا “الطواريد”.

16