الطوباويات الجديدة تكشف عن مستقبل الإنسانية

الكاتب فرنسيس وولف يتوقف عند الظروف التي مهدت لظهور الطوباويات، ويتوسل بالفلسفة التحليلية ليبين حدودها الفعلية، وما يميز إيثيقا كل واحدة منها عن الأخرى.
الخميس 2019/07/04
فرنسيس وولف: بلا طوباوية ستفقد الإنسانية قوى التقدم

هل انتهت الطوباويات النظرية بسقوط جدار برلين؟ أم أن نهاية الشيوعية وانتصار الرأسمالية فتحا المجال لظهور طوباويات أخرى؟ ما هي تلك الطوباويات، وما مدى نفعها أو ضررها للإنسان؟ وهل يستطيع الإنسان أن يستغني عنها لينظم حياته من دونها؟

ظلت الطوباوية النظرية، منذ ابتكار توماس مور مصطلح “يوتوبيا” عام 1516، وبروز إرهاصات الحداثة وصولا إلى ماركس، محصورة في أهداف محددة كخلخلة الوعي السائد، وتحفيز الخيال وحثه على الخلق والابتكار، وفتح حقل الإمكانات على وسعه.

طوباويات جديدة

أما الطوباوية الفعلية، أي تلك التي مورست على أرض الواقع، فقد باء تطبيقها بالفشل، ولعل الشيوعية هي أبرز مثال لسوء مآلها. وكان من أسباب ذلك الإخفاق ما أحدثته الأنظمة التي اعتمدتها أسلوب حكم وتسيير، إضافة إلى شيوع قيم التحرر والمساواة وحقوق الإنسان في البلدان الأخرى، المناهضة للشيوعية، ولكنها أثبتت بالتجربة أنها كانت أداة لقهر الإنسان ومصادرة حريته.

منذ سقوط جدار برلين، ساد الظن بأن الطوباويات السياسية زالت، وأن التاريخ أعلن عن نهايته، وأن العالم سيعيش استقرارا لم يعرف الناس مثله على مر العصور. ولكن خابت توقعات المفكر الأميركي فوكويوما، واشتعلت النزاعات في كل مكان، وطغت على كوكبنا عولمة لم يستفد منها غير العظام، أولئك الذين يملكون أسباب القوة، العسكرية والاقتصادية والثقافية. ولم يعد الناس يحلمون بحلول جماعية لأوضاعهم، بل صاروا يفكرون في مصائرهم الخاصة، وكأن كل واحد يبحث عن النجاة من الغرق بمفرده، لا يهمه مما يواجهه الآخر، فعادت القوميات إلى الظهور، وتكثفت الدعوات الشعبوية إلى الانكفاء داخل الحدود صيانة للهويات والمقومات الحضارية. في خضم ذلك، ظهرت طوباويات جديدة، لاسيما في المجتمعات المتطورة، تناهض النزعة الإنسانية المطلقة التي توحد البشر، وتجعل الأنا مثلها الأعلى.

الكتاب يكشف ظهور ثلاث طوباويات معاصرة تدير ظهرها للسياسة
الكتاب يكشف ظهور ثلاث طوباويات معاصرة تدير ظهرها للسياسة

فبعد “طوباوية الردّة” التي تحدث عنها زيغمونت باومان (راجع مقالتنا “طوباوية الردة أو زمن النوستالجيا” – العرب 30. 05. 2019)، أحصى المفكر الفرنسي فرنسيس وولف، في كتاب صدر مؤخرا، ثلاث طوباويات معاصرة تدير ظهرها للسياسة، وتحمل في طياتها نوازع قومية وهووية، وتدعو صراحة إلى ضمان الحقوق الفردية داخل حيز ضيق يلتقي فيه أتباعها حول بعض المفاهيم والغايات. الأولى تتجاوز الأنسنة وتعرف بـ“ما بعد الأنسنة”، والثانية تعود إلى ما قبل الأنسنة، وهي “النزعة الحيوانية”، وأما الثالثة فهي فوق الأنسنة ونعني بها “الكوسموبوليتية”.

ولئن كانت الطوباويتان الأوليان قد تشكلان خطرا على المدى البعيد، فإن مفهوم الطوباوية نفسه لا يمكن أن يمحي، كما يقول المؤلف، لأن الإنسانية سوف تفقد بغيابه قوى التقدم، وتحكم على نفسها إما بالراهنية أو بالنوستالجيا. وهو ما يمكن أن تنهض به في رأيه الطوباوية الثالثة، القادرة على جعل الإنسانية قيمة مطلقة.

يتوقف الكاتب عند الظروف التي مهدت لظهور كل واحدة من تلك الطوباويات، ويتوسل بالفلسفة التحليلية ليبين حدودها الفعلية، وما يميز إيثيقا كل واحدة منها عن الأخرى، ويصنفها حسب ضمائر الذات والخطاب والغياب.

ثلاث طوباويات

أما الطوباوية الأولى، أي ما بعد الأنسنة، فينعتها وولف بإيثيقا ضمير المتكلم المفرد “أنا”، لأنها تهدف في رأيه إلى تطوير لا حدود له لطاقاتنا الجسدية والذهنية والأخلاقية، تطويرا لا مجال فيه لخلاص جماعي، بل إن الخلاص المنشود هو لكل فرد على حدة، احتفاء بما أسماه “قوة الأقوياء”. وتكمن طوباويتها في كونها تقترح على الإنسانية أن تغادر وضعها الحالي لكي تتحسن باطراد، وتؤيد الخطاب الداعي إلى أنسنة الآلات، دون وعي حقيقي بالفرق بين الإنسان والآلة، لأن الآلة يمكن أن تؤدي البرنامج الذي يودِعُه الإنسان فيها، ولكنها لا تستطيع أن تعيشه أو تقوله، ولأن التحرر من جانبنا الحيواني، كالولادة والألم والإعاقة والمرض والشيخوخة والموت، سيقود حتما إلى انقراض جنسنا.

صحيح أن الآلات قادرة على أداء مهمات مذهلة، ولكن الإنسان يمتاز عليها بقدرته على إنجاز كمية لا حصر لها من المهمات الذهنية بفضل استعداده الدائم على التدرب والتعلم والمراس. تلك المرونة الطبيعية هي التي تحدد حيوانيته، يقول الكاتب، فهو ليس بآلة، وإنسانيته هي وظيفة لحيوانيته التي هي جماع وظائف الحياة والكائن الحي بوصفه ذاك، وما فكره إلا علاقةٌ بالعالم قبل كل شيء.

وأما الطوباوية الثانية، أي الحيوانية فيصفها بإيثيقا ضمير المخاطب المفرد “أنت”، وتتمثل في الدعوة إلى تجاوز الإنسانية بإنكار تميز الإنسان كحيوان عاقل فريد، والتأكيد على حساسيته وألمه كمحددين أساسيين لكرامته. ففي نظر أتباع هذه الطوباوية ينبغي على الإنسان أن يكف عن استعمال الحيوانات والمواد المستمدة منها، ليقطع مع ماضيه كجارح مفترس. والكاتب يميز بين مناضلي الرفق بالحيوان وبين ثوار يزعمون أن العهد الحيواني هو البروليتاريا الجديدة للرأسمالية المعاصرة، فالحيوانية كما يعرّفها هي مذهب ينادي بإلغاء امتلاك الحيوانات باسم المساواة، رغم أن عدم المساواة هو ما ينظم علاقة المفترِس بالطريدة، وأن كائنا مختلفا عنها هو وحده القادر على انتهاج سلوك أخلاقي نحوها. ومن ثَمّ لا يمكن للبشر التوحد مع الحيوانات في ما يسميها جالية أخلاقية لأن مصالح الطرفين متناقضة، وحياة هذا تتغذى بالضرورة من حياة الآخر. فللإنسان واجبات نحو الحيوان لا محالة، ولكنها لا تبلغ حدّ إلغاء الافتراس، لأن ذلك منافٍ للحياة الحيوانية نفسها. والرأي عنده أن الأنسنة هي التي تستطيع أن تضمن للحيوان معاملة حسنة.

الكاتب يتوقف عند الظروف التي مهدت لظهور كل واحدة من الطوباويات، ويتوسل بالفلسفة التحليلية ليبين حدودها

وإذا كانت الطوباوية الأولى تزعم رفع الإنسان إلى مقام الألوهية، فيما الثانية تبغي الحط من قوة إرادته، فإن الطوباوية الثالثة التي يقترحها المؤلف هي الأنسنة، بوصفها بناء ذاتيا لـ“نحن”، وللمشترك في الإنسانية أي الكلام، ويذكر بأن الإنسان يختص باستعمال لغة لا تسمح فقط بالتعبير عن الأحاسيس والمشاعر، وإنما أيضا بتأكيد قيم الخير والشر، والعدل والظلم، أو إنكارها، أي أنها تفتح على الحوار. وفي رأيه أن ما يمكن استخلاصه سياسيا من الأنسنة هو كوسموبوليتية سَلام، تضمن قانونا كونيا، يرفض كل الاختلافات، ويتحرر من جغرافيا الأمم، ويقاوم انفصالها في شكل خصوم وأعداء.

وبعكس إيمانويل كانْت الذي لم يُلغ فكرةَ بقاءِ بعضِ البشر غرباء عنه، لتمسّكه بمشروعه الحدودي ويقينه أن البشر بطبعهم لا يمكن أن يعيشوا إلا داخل المدينة بالمفهوم الأفلاطوني، يعتقد وولف أن الحدود الوحيدة التي يمكن قبولها هي حدود الإنسان كحيوان سياسي، حتى وإن أثبت بعض المفكرين، مثل ريجيس دوبري، ما للحدود العضوية أو الاجتماعية من أهمية في تنظيم العلاقة مع الآخر. وتلك لعمري طوباوية رابعة، نحلم بها ونحن نعرف أنها لن تتحقق في عصر يشهد إقامة الجدران العازلة والأسلاك الشائكة لمنع الآخر من اجتيازها، حتى ولو كان هاربا، يطارده الرصاص والجوع والغرق. ولنا في ما جرى للناجين على متن الباخرة “سي ووتش” خير مثال.

15