"الطوب أحسن لو مكواري"

الخميس 2017/11/02

لعلكِ مازلت تسأليني عن سر الحزن في الغناء العراقي؟ ذلك الألم الشجي الذي يتدفق من بين حناجر كبار مطربينا العراقيين وصغارهم أيضا، مهما حاولوا تصّنع الفرح.

ينادون أسلافهم الذين عاصروا جور العثمانيين قرونا، وغطرسة الغزاة الأوروبيين الاستعماريين ممن أرادوا أن ينكسوا “عكل” رجالات ثورة العشرين، الذين كانوا يفتقدون البنادق ليدافعوا عن بلادهم ولا يعرفون المدافع التي بيد المحتلين الغزاة التي تهز مدنهم وقراهم المتعبة ولا يملكون غير “المكوار” سلاحا وهم يهزجون فوق المدافع التي دمرت بيوتهم الخاوية “الطوب أحسن لو مكواري”، ويغنون لأولئك الضحايا الذين تساقطوا حول المدافع الغازية بعد أن أفرغت عتادها بأجسادهم، حتى وصلوها وهم يهزجون.

أي حزن ذلك الذي تلفع به جسد السياب المتعب وهو الغريب على الخليج ما كان يعرف غير العزف على أنشودة المطر، ظل يسمعها وينشدها حتى موته، وأي ألم احتساه الرصافي والجواهري وعبدالرزاق عبدالواحد وهم يُدفنون في مقابر الغرباء، خارج وطنهم الذي نذروا أنفسهم إليه.

أي حزن يغني به الأكراد وهم يرون قتلاهم امتلأت بها خبايا جبال قنديل وكردمند وطويله حيث امتزجت بدماء الجنود من أهل الجنوب الذين قتلهم البرد قبل الرصاص وظلوا يغنون لحبيباتهم اللواتي هدّهن تعب الحقول، وجور الإقطاع، وظلم السلطات المتعاقبة، وهنّ يقفن طوابير على أبواب السجون في “نقرة السلمان” أو معتقل رقم واحد في معسكر الرشيد، وينشدنّ تراتيل الحزن العراقية، بنشيج “النعي” الحزين، الممتد حيث عشتار التي ملأت أرض بلاد ما بين النهرين بترانيم الحزن السومرية، إنها رحلة الألم والاعتصار والجور، التي تكررت في كل مراحل الحياة العراقية، والتي سفكت فيها دماء غزيرة لم تسفك على أي أرض سواها، لعلها تجري كما يجري النهران الخالدان دجلة والفرات وفيهما سفكت الأمهات العراقيات الدموع، وحولهما هدهدن مهود أحفادهنّ يندبن آباءهن من الضحايا والمفقودين، والشهداء، الذين لم يشاهدنهم بعد، فيسمع أولئك الصغار نشيج جداتهم وعويل أمهاتهم وهم في المهود، بأصوات تحاكي الضحايا الذين احتضنتهم الأرض بمقابر اتسعت لتكون أكبر المقابر البشرية في وادي السلام، قرب مرقد الإمام علي، عند بحر النجف.

أي أطوار غنائية تنتج تلك المآتم، وأي لوعة تخرج بها عُرب مطربي العراق، حين تغني لـ“الريل وحمد” بصوت ياس خضر، و“سلامات” و”عند بابهم” بصوت حميد منصور، وقبلهم نحيب القبانجي في مقام اللامي ولوعة يوسف عمر في مقامته البغدادية، لعلها صراخ يحاكي أحزان العراقيين. أما الجيل الجديد فلم يسلم هو الآخر من عدوى الحزن النبيل، وهو يغني وينال شهرة، فقد فتح عينيه على حروب طاحنة، وهو يرى احتلالا لعاصمة الرشيد، ومدنا تتساقط بفعل الخيانات والفساد.

فأي أغنية تكفي لسد أوجاع العراقيين؟

هل مازلت تسألين لماذا غناؤنا حزين؟

24