الطوطم السياسي والطوطم الشعري وقتل الأب والابن

الأربعاء 2013/11/27
النفعية والارتزاق طغيا على الثقافة العربية

من المظاهر البارزة لأزمة الثقافة العربية غياب ثقافة الحوار، وإذا ما تحقق شيء منه تحول إلى حوار إيديولوجي وكأنها معركة على الأفكار أكثر من كونها معركة للوصول إلى الحقيقة أو شيء منها.

في هذا الفضاء الثقافي الضاغط يحاول بعض المثقفين العرب بين وقت وآخر طرح مبادرة للحوار حول قضية من قضايا الواقع الثقافي العربي، دون أن تجد الصدى المطلوب وكأن الجميع استقال من هذا الدور أو أن كل مثقف اكتفى بما لديه من قناعات ولم يعد يعنيه ما يفكر به المثقف الآخر إما يأسا أو خوفا أو رغبة في تجنب أي سجال يمكن أن يثير حفيظة الآخرين عليه.

في إطار هذه المبادرات كانت مقالة الشاعر نوري الجراح عن المعنى المشترك لصورة الطوطم السياسي والطوطم الشعري ومحاولة قتل الأب عند الأجيال الشابة وعلاقة كل هذا بمشروع الحداثة العربية الخائب وازدواجية المثقف. والغريب أن مقال الكاتب عمار ديوب عن أزمة الحداثة العربية والكاتب أزراج عمر عن الحداثة وما بعد الحداثة اجتزأت جانبا محددا مما طرحه الجراح دون أن تخوض في مجمل الأطروحات التي قدمها وفي المركز منها مسألة خيانة المثقف لدوره التنويري والأخلاقي بعد أن تحالف مع السلطة المستبدة وعمل كاتبا في دواوين السلاطين، دون أن تدفعه التحولات الجديدة التي صنعتها ثورات الشاعر العربي إلى إعادة التفكير في دوره وفي كيفية استعادة موقعه في عملية التغيير نحو الحرية والديمقراطية بعدما صدّع رؤوسنا بالحديث عن أهمية الحرية ومعناها بالنسبة للإبداع والثقافة.

المقالان في تعقيبهما على مقالة الشاعر الجراح يذهبان في اتجاهين مختلفين من حيث المرجعية الفكرية في مقاربة مسألة فشل مشروع الحداثة العربية، لكنهما في الوقت نفسه يشتركان بسمة واحدة هي السمة النظرية التي غالبا ما يهرب المثقفون إليها من مواجهة الواقع. وفي حين ينطلق ديوب في مقالته من تحليل إيديولوجي ماركسي لمسألة فشل الحداثة العربية، يستند أزراج في مقالته إلى أطروحات المفكرين الغربيين حول مفهوم الحداثة وما بعدها من حيث موجباتها واشتراطاتها وعلاقتنا بكل هذا.


ترف فكري

مقالا أزراج وديّوب يذهبان في اتجاهين مختلفين من حيث المرجعية الفكرية في مقاربة مسألة فشل مشروع الحداثة العربية، لكنهما في الوقت نفسه يشتركان بسمة واحدة هي السمة النظرية التي غالبا ما يهرب المثقفون إليها من مواجهة الواقع

إن ما يلفت النظر دائما في كتابات الكثيرين أن الحديث عن فشل مشروع الحداثة عندنا لا ينفصل عن الحديث عن غياب وظيفة المثقف التنويرية، كما لا يبدو أن تحليلنا لفشل مشروع الحداثة عربيا قد تخطى عتبة القراءات الإيديولوجية أو المرجعيات الفكرية والفلسفية الغربية، والدليل على ذلك كثرة المصطلحات المستخدمة في توصيف مشروع النهضة العربية هل هو مشروع حداثة أم تحديث أم نهضة وكذلك تعدد المرجعيات الفكرية والفلسفية من ماركسية إلى عربية إلى إسلامية أوعربية- إسلامية أو ليبرالية.

في الوقت الذي يسود الاختلاف حول المعنى والدلالة، أي بمعنى آخر رغم مرور قرن ونصف على مشروع النهضة لا نزال على عتبات التأسيس المفهومي قبل أن نخوض في المتن. ولأنني لا أريد الخوض في طروحات الزميلين كثيرا لكي لا نذهب بعيدا عمّا تطرحه مقالة الشاعر فإنني سأشير عاجلا إلى مسألتين هامتين، الأولى تتعلق باتهام البرجوازية العربية بالفشل في قيادة مشروع التحديث والثانية تتعلق بالتغريب ففي الأولى ما زلنا نحمّل البرجوازية كل وزر في حين نعرف جميعا أن مجتمعاتنا لم تعرف نشوء طبقة برجوازية بالمعنى الذي ظهر في الغرب حتى تنهض بالدور الذي نهضت به مثيلتها هناك، وأن البرجوازية العربية ذات الطابع التجاري في الغالب كانت تجمع بين الإقطاع والبرجزة في آن معا كما هي حال البرجوازية الدمشقية والحلبية مثلا.

وجاءت أنظمة العسكر لتحقق قطيعة في تطور هذه البرجوازية معيدة الواقع العربي نحو الوراء باعتبارها ذات أصول فلاحية تحقد على المدينة وتريد الانتقام منها. وعندما فشلت تلك القوى في تحقيق ما ادعت أنها رسالتها للتطوير والتحديث، بعدما قضت على البرجوازية الوطنية، إما عبر خلق برجوازية جديدة تشكلت من خلال النهب والفساد والتسلط، أو من خلال تحالف بقايا البرجوازية مع السلطة واشتراكهما معا في نهب البلاد وجدنا الثورات العربية تنتهي إلى أحضان القوى الإسلامية في ظل حالة الفراغ وغياب الحامل الاجتماعي للثورة. أما الحديث عن الحداثة وما بعد الحداثة فهو نوع من الترف الفكري.في ظل واقع فاسد محكوم ببنية صلدة من المفاهيم والعلاقات الأبوية في مجتمع عملت فيه السلطة على تكريس هذه المفاهيم وتوطيد هذه العلاقة وتبجيلها من خلال مجموعة من الألقاب والتوصيفات التي خلعتها على الزعيم (المفدى والملهم) كان لا بد للثقافة التي تحولت إلى خادم في بلاط السلطان كما كانت عليه تاريخيا طالما أن مفهوم السلطة والرعية لم يتبدل بعد.

هذه الصيغة من العلاقة تكرست في أكثر من منحى في الشعر كما في الفكر، بدءا من مفهوم آباء الحداثة الشعرية، مرورا بجيل الرواد، الذين لم تتبدل توصيفاتهم حتى بعد أن مضت سنوات طويلة على رحيلهم، وكأن ثمة نسخة واحدة من تلك الحداثة ما زال يتداولها الأبناء الأوفياء لرسالة آبائهم، ويعيدون إنتاجها في الثقافة والإبداع العربي.

هذا المنظور اللاتاريخي للثقافة والأدب نابع من طبيعة الثقافة السائدة وعجزها عن تحقيق اختراق تاريخي في منظورها وأدواتها ومفاهيمها، بوصفها جزءا من أزمة الحداثة والعجز عن خلخلة البنية التقليدية الصلدة للواقع وعلاقاته الاجتماعية ومنظومته القيمية، بما فيها الطابع الأبوي لهذه الثقافة ومرجعياتها المكرسة.

لذلك ليس مستغربا أن يقوم مثقف أو شاعر تنويري وحداثي بنفس الوظيفة التي يقوم بها رجل الدين من حيث اعتبار نفسه مرجعا للحداثة وخادما لأسرارها ورسولا مبشرا بها لا بد للمريدين من أن يستلهموا نور الحداثة منه ويكونوا أبناء بارين بأبوّته إن لم يكن برسوليته.


انتهازية المثقّف


لقد برهنت الثورات العربية على وجود أزمة بنيوية اجتماعية وثقافية واقتصادية في الواقع العربي أكثر مما دلت عليه من أنها ثورة على الفساد والطغيان، وإن كان الأخير هو عنوانها الذي اشتهرت به، الأمر الذي جعلها بعد أن انتهت من مهمة إسقاط نظام الطغيان والفساد تواجه الفراغ ومعضلات خلق البديل السياسي القادر على قيادة المرحلة، ما جعل هذه الثورات تتحول إلى ساحة مفتوحة لصراع قوى اجتماعية وفكرية محلية وإقليمية ودولية مختلفة، كان الفكر الإسلامي المحافظ أكثرها حضورا بفعل حضوره القوي في بنية المجتمع وعلاقاته المادية.

لقد كان من الطبيعي أن ينكفئ المثقف العربي عن لعب دوره الحاسم في هذه المعركة نتيجة السلوك الانتهازي النفعي الذي امتهنه طويلا، من دون أن ننسى الدور الإيجابي لعدد آخر من المثقفين الذين دفعوا ثمن مواقفهم وصدقهم مع أنفسهم. لكن السمة الغالبة على الثقافة العربية كانت هي النفعية والارتزاق ونوعا من التقية.


قشرة الحداثة


في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي ومع تقدم المفاوضات بين نظام الأسد وإسرائيل نشطت السفارة الأميركية في دمشق في صفوف المثقفين السوريين من خلال الملحقة الثقافية التي لم أعد أذكر اسمها. وفي تحول سريع ومباغت كان أغلب زوار السفارة الأميركية في دمشق والمشاركين في احتفالاتها من مثقفي اليسار جنبا إلى جنب مع المثقفين الليبراليين والقومجيين، وكانت التبريرات السريعة التي اعتادوا عليها لتسويغ ذلك هي التفاعل مع الثقافة الأميركية العظيمة، وضرورة الفصل بين السياسي والثقافي، وأننا لا نستطيع أن نتجاهل العظمة الأميركية، في الوقت الذي كان فيه الحصار الأميركي على العراقيين يودي بمئات الأطفال، بينما الطائرات الأميركية تلقي بحممها بصورة شبه يومية على المدن العراقية، من دون أن يستذكره أحد منهم أو يشعر بالحرج.

هذه الخيانة الأخلاقية للمثقف العربي لا تنفصل عن الخيانات الأخرى سابقا ولاحقا، وهي بقدر ما تعكس أزمة وعي عند نخبة يفترض بها أن تكون متقدمة على غيرها بحكم هذا الوعي، فإنها تعري وتفضح المشهد الأعمّ لأزمة الثقافة العربية وقشرة الحداثة التي ارتدتها، كما هو الحال مع شتى ميادين حياتنا العربية الأخرى التي ظلّت تعيش نوعا من الانفصال والازدواجية الصارخين على هذا المستوى.

كذلك تكشف أن المثقف العربي ما زال سليل إرثه وتاريخه وليست الحداثة سوى ثوب نرتديه ونخلعه متى ما استحقت الحقيقة. ولعل الموقف المخجل الذي أبداه عدد من الشعراء ومثقفي اليسار والقومية العرب أو السوريين من الثورة السورية ما يسقط القناع الحداثي عن هؤلاء الشعراء والمثقفين، بل الحد الأدنى من الضمير الأخلاقي والإنساني أمام هول ما يرتكبه نظام المغول الأسدي، حيث دم الإنسان وصوت الحرية الناهض من بين ركام الموت والمجازر اليومية يصفع زيفهم الحداثي ونقدهم المتكلف للماضي والتراث، ويفقدهم تلك الهالات الرسولية الزائفة التي طالما بشرت بالحداثة وبميلاد إنسان جديد.

__________

* غدا إبراهيم الجبين: المثقف العربي بين القاع والقناع

15