"الطوفان".. عندما يتجاوز حب المال الحواجز الاجتماعية

يؤكد النجاح الذي لاقته حلقات مسلسل “الطوفان” الذي عرضته قناة “سي بي سي”، سقوط أحداث الفيلم الذي حمل نفس العنوان من الذاكرة، لأن المشاهد لم يتمكن من متابعة أحداثه، واختفى ولم يحظ بمشاهدة قطاع كبير من الجمهور، بسبب المشكلات السياسية التي واجهته والتي يرفض مؤلفه ومخرجه بشير الديك التعليق عليها، واكتفى بحصد النجاح الذي حققه المسلسل في عرضه الأول.
الخميس 2017/12/07
أحقاد دفينة

القاهرة- من الصعب على الباحث المقارنة بين فيلم “الطوفان” الذي صدر عام 1985 والعمل الدرامي الجديد الذي يحمل نفس العنوان والذي بثته مؤخرا قناة “سي بي سي” المصرية، فالفيلم الذي قام ببطولته محمود عبدالعزيز وفاروق الفيشاوي وأمينة رزق لم يعرض في السينما، والمرات القليلة التي عرض فيها على بعض القنوات المتخصّصة، لم تجعل له أثرا في وجدان الناس.

تكرار عمل سينمائي ونقله للتلفزيون من خلال عمل درامي طويل مسألة شاقة، وتحتاج إلى رؤية عميقة ومعالجة متماسكة، وهو ما قام به الشابان وائل حمدي ومحمد رجاء اللذان أكدا عظمة القصة التي لفتت الانتباه لتقديمها في مسلسل، بعد نحو 32 عاما، ووضعاها في سياق درامي متوازن.

عنوان ثري

“الطوفان” عنوان ثري لدراما انصب تركيزها بوضوح على الحياة الإنسانية وتعقيداتها الاجتماعية، لكن الشق الخفي الذي يفسر عنوان العمل يكمن في صراع رأس المال وتحكمه في حياة الناس، وقدرته العالية على تغيير نمطها المعتاد بمجرد الحصول عليه، وبصرف النظر عن الطريقة التي جاء بها.

الرابط المشترك بين الفيلم الذي قدم في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، والمسلسل الذي عرض مؤخرا، يكمن في تصاعد قوة رأس المال وتحكمه في حياة الأشخاص وعلاقاتهم الاجتماعية

القصة تدور حول أم مكافحة توفي زوجها وترك لها 6 أبناء (3 ذكور و3 إناث)، لكل منهم حكاية مختلفة، غير أنهم يشتركون في البحث عن المال، باستثناء الابنة الكبرى منيرة التي لعبت دورها الفنانة وفاء عامر، وتعيش في منزل والدتها صفية التي أدت دورها الفنانة نادية رشاد، وتكتفي منيرة بالتقرب من الله والقيام بالأعمال المنزلية، عقب انفصالها عن زوجها الشيخ خالد الذي يقوم بدوره الممثل ماجد المصري.

المفارقة التي قدمها العمل أن منيرة تنشغل بالعبادات وأشقاءها منخرطون في البحث عن ملذّاتهم، وتقف الأم صفية بينهم في دور الناصحة التي تخشى المصير الغامض لأبنائها. المسلسل حفل بعدد كبير من النجوم والنجمات، مجدي كامل وأحمد زاهر وآيتن عامر وفتحي عبدالوهاب وروجينا ومحمود الجندي وهنا شيحة والراقصة دينا، فضلا عن ماجد المصري وعبير صبري وبشرى، ومع ذلك ثمة حالة من التوازن التي تمنح كل دور مساحة مناسبة تربطه بخيط رفيع مع أدوار الآخرين.

الأشقاء الستة لكل منهم حياة وعالم مختلف، ويربطهم عالم اجتماعي عماده المال وكيفية إنفاقه، وهو ما تظهر تجلياته ويتصاعد المنحى الدرامي الخاص به مع عرض الحلقات التي تزخر بمفارقات عديدة.

الصراع الذي تجسده أحداث العمل بين الأم والأبناء بشأن كيفية الاستفادة من قطعة أرض غالية الثمن يريدون بيعها لمستثمر كبير، لكن ظهور العم (محمود الجندي) في الصورة وأحقيته في امتلاك الأرض بحكم شرائها من والدهم (شقيقه المتوفى) بعقد ابتدائي يقلب الموازين، ويصل الأبناء إلى درجة التفكير في التخلص منه، على الرغم من تأكيد والدتهم صحة العقد المبرم بين الوالد والعم.

الرابط المشترك بين الفيلم الذي قدم في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، والمسلسل الذي عرض مؤخرا، يكمن في تصاعد قوة رأس المال وتحكمه في حياة الأشخاص وعلاقاتهم الاجتماعية.

والفيلم كانت إسقاطاته السياسية واضحة، لأنه ألمح مرارا إلى أن الاتجاه نحو تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات واستمرارها في عصر خلفه حسني مبارك، كانت له عواقب وخيمة في انخراط شريحة كبيرة من المصريين في البحث عن المال بأي وسيلة، بينما رسالة المسلسل تكمن في تجاهل الناس لمنظومة القيم والحرص على دهسها مقابل الحصول على المال وبأي وسيلة.

والفرق بين الفيلم والعمل الدرامي هو فرق بين عصر سياسي وعصر آخر، تتغير فيه أنماط وسلوكيات البشر عند أول محك مع المال، فهذا زوج يهجر زوجته ويسعى للزواج من أخرى، وهذا آخر ينفق ببذخ على زوجته حتى تشعر بأنه مقتدر ماديا وليس أقل منها، وتتوالى الشخصيات على هذا المنوال ولكل منها صراعات مختلفة، لكنها متسقة مع الأنانية التي تسيطر على الناس اليوم.

وتجاهلت المعالجة الدرامية الجديدة الأبعاد السياسية التي شغلت صناع الفيلم وتسبّبت في عدم عرضه على نطاق واسع للجمهور، ومع ذلك لا تخلو من تلميحات تشي بتراجع العدالة الاجتماعية نتيجة خلل سياسي في المنظومة التي تقودها الحكومة، وغضها البصر عن الكثير من التجاوزات البعيدة عن القيم الأخلاقية النبيلة، لكن في العملين (الفيلم والمسلسل) لم يغفل الكاتب الحديث عن آليات تأثير رأس المال على الأخلاق.

تميز الأداء

عادت الفنانة نادية رشاد في دور الأم صفية، بعد غياب عن الشاشة الفضية، وهي التي تمثل رأس الحكمة في الأسرة والعودة إلى قيم الطبقة المتوسطة التي يقع على عاتقها التغيير، في إشارة إلى أن المنظومة لم تهدم تماما، وثمة بريق أمل في وجود هذه النوعية من الأشخاص.

وهي الإشارة التي أرادها بشير الديك، وأنه مهما ارتفع نهم المال والشهوة للسلطة تظل هناك شخصيات تظهر من وقت لآخر لضبط عجلة المجتمع ومنح أصحاب القيم التفاؤل، وأن انتشار البلطجة والسرقة والفساد لا يعني تحوّل المجتمع إلى غابة.

وتطويل حلقات المسلسل سمة تتبعها غالبية شركات الإنتاج للبحث عن المزيد من المال، وفي مسلسل الطوفان الذي تبلغ حلقاته 30 حلقة لا تشعر بأن هناك افتعالا لذلك، لأن تعدّد الشخصيات وتنوّع البطولة منحا كل شخصية مساحة تبرز فيها طاقاتها الإبداعية، وتدخل المشاهد في دوامة شيقة من الحكايات التي تدور داخل قالب واحد، دون شعور بالملل.

ويحسب لمعظم المشاركين في العمل أداء الدور دون النظر لعدد المشاهد، فالفنانة بشرى تبدو مساحتها ضيقة، غير أن جدّيتها وصرامتها مع ابنها بجانب عواطفها المكبوتة تجاه حبيبها، عبّرت عن نجاحها في الجمع بين انفعالات إنسانية يصعب الوصول إليها.

أيضا ماجد المصري الذي تبدو مساحته ليست أفضل حالا من الآخرين، قدّم شخصية الشيخ الانتهازي الذي يعيش صراعا بين العمل الدنيوي ورغبته في الحفاظ على أداء العبادات، صلاة وحجّا وزكاة، وبين نهمه للمال حتى لو حصل عليه بالغش والخداع، وكان هذا الدور جديدا عليه وكشف عن امتلاكه طاقة كوميدية لم تظهر من قبل بوضوح.

المفاجأة، كما يقول النقاد، كانت في دور وفاء عامر (منيرة) أو السيدة المغلوبة على أمرها والساذجة التي تتصرّف بتلقائية إلى درجة أنها تتسبّب في مشكلات وإحراج لأشقائها، كما أن الأداء الذي يتّبع أسلوب السهل الممتنع الذي عرفت به ضاعف من حب المشاهدين لها.

وسجل مخرج العمل خيري بشارة بمسلسل “الطوفان” علامة جديدة في مشواره الفني تختلف عن الأعمال الدرامية التي قدّمها من قبل، وكان محورها الأسرة أو العائلة، ففي مسلسله “ريش نعام” ناقش واقع الطبقة الأرستقراطية، التي تلازمت معه في مسلسل “ذات” الذي عالج أزمة الانفتاح الاقتصادي في مصر وتداعياتها المجتمعية والسياسية.

وفي “الطوفان” انخرط في التفتيش عن جذور العائلة البسيطة وتحوّلاتها بعد ظهور المال فجأة في حياتها، ودمج فيها تفاصيل الحاضر وتغيراته التي أثّرت بقوة على المجتمع، وسط كادرات سينمائية عميقة أبرزت عمق الشخصيات وملامحها الرئيسية. ومع أن “الطوفان” عرض خارج الموسم الرمضاني، إلاّ أن نسبة المشاهدة العالية أثبتت أن رمضان المزدحم بالمسلسلات لم يعد حكرا على الأعمال الجيّدة.

16