الطوق والأسورة.. السينوغرافيا تُطَوق الجمهور

مسرحية "الطوق والأسورة" قدمت كعرض اختتامي لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي.
الاثنين 2018/10/08
تجسيد لمعاناة المرأة

قدمت مسرحية “الطوق والأسورة” ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي على مسرح السلام كعرض اختتامي.

ومسرحية “الطوق والأسورة”، مأخوذة عن رواية ليحيى الطاهر تحمل نفس العنوان، قام الدكتور سامح مهران، بصياغتها لتناسب الشكل المسرحي، بينما أخرجها ناصر عبدالمنعم، الذي عرضت له مؤخرا مسرحية “ليل الجنوب” ونالت إقبال جماهيريا واسعا.

 

رغم أن العروض المسرحية مرتبطة بالزمان والمكان، ولا يمكن تكرارها ذاتها مطلقا، حيث لكل عرض خصوصياته، فإنه من الممكن إعادة عمل مسرحي عرض سابقا لكن برؤى جديدة، فالمسرح حمّال أوجه وليس فانيا في زمانه ومكانه، بل نهاية مسرحية هي أشبه بخمود طائر الفينيق الذي يعود للانبعاث من رماده، لكن المسرح فينيق في كل مرة بلون وشكل، وإلا لما أعيدت مسرحيات سوفوكل وشكسبير المئات من المرات في كل عرض منها تكون فينيقا جديدا.

ويعتبر الكاتب والروائي يحيى الطاهر من الكتّاب الذين اهتموا بشكل خاص بالخوض في دواخل مجتمع الجنوب المصري، على اعتباره المجتمع الذي ولد وترعرع فيه، ويعرف خباياه وأسراره.

تدور أحدث المسرحية حول فهيمة الشابة الفقيرة الحالمة، تلعب دورها مارتينا عادل، (وهي ممثلة شابة حصلت مؤخرا على جائزة أحسن ممثلة صاعدة في المهرجان القومي للمسرح)، تتزوج من الحداد (يلعب دوره الفنان نائل علي)، ولكن هذا الزواج لا يثمر أطفالا، لأن الحداد رغم بنيته القوية يعاني من العجز الجنسي، ولكنها تموت في نهاية المسرحية كنهاية حتمية لشابة عاشت القهر والهوان وفقدان الأمل.

سبق لهذا العرض أن قدم في التسعينات، ولكن مع ممثلين آخرين، بعضهم اعتزل وبعضهم الآخر أصبح له مكانته العلمية والفنية، أمثال الدكتورة عبير فوزي التي تشغل حالياً منصب أستاذة في معهد الفنون المسرحية، والأستاذ أشرف طلبة مدير المسرح الحديث، ومحمود عبدالمغني الذي أصبح نجماً تلفزيونياً، وغيرهم، بينما عاد الفنان اشرف شكري إلى العرض مرة أخرى ليؤدي دوره السابق، الشيخ العليمي، الدجال والنصاب بكل رشاقة وجاذبية، كما عاد الفنان الجنوبي كرم مراد ليؤدي أغاني الجنوب المصري التي كان يؤديها في العرض، حين كان شابا يافعاً، وبطبيعة الحال استفاد العرض من الطاقات الفنية القديمة التي كانت معه منذ عرضه لأول مرة، ولا تزال معه في عرضه الأحدث، وعلى رأسهم مهندس الديكور محيي فهمي، ومصممة الأزياء نعيمة عجمي والعديد من الفنيين.

حين عرضت مسرحية “الطوق والأسورة” قبل 22 عاماً، في إطار عروض المسرح التجريبي والمعاصر، وكان يتضمن مسابقة وجوائز، استطاع أن يقتنص المخرج، جائزة أفضل إخراج مسرحي، بالإضافة لكون العرض بمجمله حاز على جائزة ثاني أفضل عرض عربي، ويقال إنه العرض الأول الذي جلب الجوائز لمصر في مسابقة
المسرح التجريبي. كل ما سبق يجعل من هذا العرض محط أنظار محبي ورواد المسرح، ليس هذا فحسب بل إنه سيشكل حافزا للمقارنة ما بين العرضين وخاصة لمن
حالفه الحظ وكان حاضرا حين عرض للمرة الأولى.

بطلة المسرحية تموت في نهاية العرض كنهاية حتمية لشابة عاشت القهر والهوان وفقدان الأمل في علاقة زواجها الذي أفشلته التقاليد
بطلة المسرحية تموت في نهاية العرض كنهاية حتمية لشابة عاشت القهر والهوان وفقدان الأمل في علاقة زواجها الذي أفشلته التقاليد

كثيرا ما تكون العلبة الإيطالية التقليدية، في العروض المسرحية ضيقة الأفق، تحجم خيال المخرج وتضيقه، فهي ومهما كان المسرح على درجة عالية من الحداثة، فهي إما مستثمرة طوليا وإما عرضيا وإما عبر العمق، وعلى أقصى تقدير تقتحم صالة الجمهور عبر ممرات خشبية ممتدة، لا حلول أخرى لدى المخرج، إلا لو جعل الممثل ينزل من سقف المسرح، وهذا أمر محال، لكن عرض “الطوق والأسورة” الذي تابعناه على مسرح السلام، بالأصح على خشبة مسرح السلام، كان مختلفاً كلياً وغير تقليدي البتة، لأن المخرج منذ البداية كسر كل القواعد التقليدية المتبعة في العروض المسرحية، والتي من شأنها أن تفصل الممثل عن الجمهور عبر وجودهما في مكانين مختلفين تماما، بهدف خلق الإيهام عبر (الجدار الرابع)، فجعل المشاهد يجلس جنبا إلى جنب على خشبة المسرح (الركح)، ليشاهد تلك القصة ويشهد أحداثها ويتورط معها، لدرجة بات جزءا من المكان، يرى ما تصل له عينه فقط، بينما يلتقط ما يدور حوله وكأنه يسترق السمع له، كل ذلك عبر سينوغرافيا ذكية، لا تتوقف فقط على الديكور والإضاءة والموسيقى، بل على حركة الممثل وتواجده ضمن هذا الحيز الضيق، أمام وخلف وعلى جانبي المشاهد، بشكل يشعر معه المشاهد أنه مطوق بأسورة ذلك العرض، والعارف بخباياه وأسراره من موقعه كمشاهد.

وبذلك يكون عرض الطوق والأسورة، الذي شهد إقبالا جماهيريا كبيراً، مسك ختام المسرح التجريبي في احتفاليته باليوبيل الفضي.

ونذكر أن مسرحية “الطوق والأسورة” من بطولة، مارتينا عادل، فاطمة محمد علي، محمود الزيات، أحمد طارق، نائل علي، محمد حسيب، أشرف شكري، فرح حاتم، إيمان حسين، سارة عادل وشريف القزاز، ساعد في الإخراج كل من شريف فاروق وفاطمة طافش، وأدهم طارق، مخرج منفذ منال إبراهيم، والموسيقى لجمال راشد.

14