الطيب البكوش سياسي مدجج بالتجارب يستأنف الأمل التونسي

الأحد 2014/11/02
البكوش يساري بهوى وطني يشرع أبواب تونس ويطلق نداءها عاليا

تونس- فوز حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية التي انتظمت منذ أسبوع، بقدر ما مثل انتصارا للقوى الديمقراطية (بالمعنى العام) على قوى تمثل أو تقترب من الإسلام السياسي (بما يمثله من تهديد لمسار الدولة المدنية) فإنه أعاد بعض الشخصيات الممثلة للنداء إلى صدارة الأحداث والتحاليل.

الطيب البكوش، الأمين العام لحزب نداء تونس، يختزل لوحده تميّز حزبه، ويمثل بمفرده تفنيدا لعديد التهم التي تسدد للنداء.


قنوات سياسية لازمة


الطيب البكوش الذي يجمع سيرة ذاتية، يتضافر فيها البعد الأكاديمي مع الحقوقي والنقابي مع السياسي، يمثل وجها سياسيا لازما للنداء. اللزوم هنا، من منطلق قدرته على مدّ قنوات الوصل مع كل الآتين من مختلف هذه الأبعاد. ولعل إطلالة سريعة على سيرة الرجل وما يختزنه من تنوع، كافية لاستخلاص ما يفيد بقدرته على أن يضيف لحزبه أولا، ولإرساء علاقات سياسية “سويّة” بين الفرقاء ثانيا، ولبلاده أساسا.

لم يطرأ الطيب البكوش على الساحة السياسية التونسية، أو لنقل على الساحة المعنية بالشأن العام، فجأة، بل إنه ترجّل قبل ولوجه هذا الفضاء عبر عديد الحقول المؤدية، ضرورة وبحكم التقاليد، إلى السياسة.

بدأ الطيب البكوش، المولود في العام 1938 بالقيروان، مسيرته في الجامعة التونسية في مجال اللغة والألسنيات، بعد أن حصل في العام 1965 على الإجازة في اللغة العربية وآدابها من الجامعة التونسية، ثم أردفها بدبلوم الدراسات العليا في اللسانيات في العام 1966 من جامعة السوربون، وشهادة التبريز في اللغة العربية وآدابها من السوربون أيضا. جملة شهائد خولت للطيب البكوش ولوج الجامعة التونسية للتدريس بها انطلاقا من العام 1969.


ماكينة الاتحاد العام للشغل


ولأن الأروقة كانت مفتوحة دائما بين الجامعة والسياسة، وبين الجامعة والنقابة، فقد انضم الطيب البكوش -منذ بداية السبعينات- بموجب عمله كأستاذ جامعي إلى نقابة التعليم العالي والبحث العلمي التي تقلد منصب كاتبها العام (من 1974 إلى 1977)، ودلف بذلك المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل، (المنظمة النقابية العريقة التي مثلت في عديد الفترات مركز الثقل المضاد للحزب الاشتراكي الدستوري، كما مثّلت أحد روافده في فترات أخرى). التقدم في المسؤوليات النقابية لم يكن بلا ثمن بالنسبة إلى الطيب البكوش وصحبه، إذ زُجّ به في السجن مع مئات النقابيين على خلفية أحداث ينايرـكانون الثاني من العام 1978، التي ترجمت توتر العلاقة بين اتحاد الشغل وحزب بورقيبة. صراع مع السلطة (الحزب الاشتراكي الدستوري) أساسا وصل أوجه يوم 28 ينايرـ كانون الثاني من العام 1978 كانت أسبابه الظاهرة الخلاف حول الأجور، إلا أن أسبابه العميقة تعود أساسا إلى عدم هضم السّلطة جرأة الاتحاد في نقد الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وما يمثله مثل هذا الموقف من تكريس لاستقلالية الاتحاد وخروج عن دائرة الوحدة القومية وفق التعبير البورقيبي.

الطيب البكوش، الأمين العام لحزب نداء تونس، يختزل وحده تميّز حزبه، ويمثل بمفرده تفنيدا لعديد التهم التي تسدد للنداء الذي انطلق بمبادرة من الباجي قايد السبسي مضمونها تجميع كل القوى والتيارات والشخصيات المؤمنة بمدنية الدولة، وبالحفاظ على الدولة الوطنية التي بناها جيل الاستقلال


السجن وبورقيبة


وكما تقدّم فإن الأروقة والأبواب كانت مفتوحة دائما بين الجامعة والسياسة، أو لأن الرجل كان يتقن الحفاظ على الهويتين (الباحث والنقابي قبل أن يضيف لمسيرته آفاقا أخرى لاحقا)، ولذلك أصر في سنوات سجنه أن يحافظ على جلباب الباحث الأكاديمي، فكان لحصوله على الدكتوراه قصة بليغة، فأثناء سجنه على خلفية القضية المشار إليها آنفا، كان يتقدم في إعداد أطروحته لنيل الدكتوراه، وعندما حددت له هيئة مناقشة الرسالة في جامعة السوربون موعد تقديم رسالته ومناقشتها كان يقبع وراء القضبان، فاقترحت الهيئة العلمية المكلفة بمداولات الأطروحة أن تتحول إلى سجنه لتناقش رسالته. لكن بورقيبة تفطن (بذكائه أو بإيعاز من محمد مزالي وزيره الأول آنذاك) إلى أن الأمر قد يكون تشويها لنظامه وحكمه لدى الدوائر العلمية والأكاديمية والثقافية الفرنسية، وهي الصورة التي كان بورقيبة يحرص على صونها، فمنحه عفواً خاصاً، لمناقشة رسالته، وللحيلولة دون النيل من صورة النظام. فتحصل الطيب البكوش على دكتوراه دولة في اللسانيات من السوربون في العام 1980.

لم يحل هذا “الفاصل” الأكاديمي من استئناف المناضل النقابي لنشاطه. إذ تقلد منذ العام 1981 منصب الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل في مؤتمر قفصة (المؤتمر الخامس عشر للمنظمة الذي انعقد بين 29 و30 نيسان ـ أبريل من العام 1981)، وظل في المنصب للسنوات الخمس التالية. مفصل نقابي مهم عاشه البكوش، وخرج منه بالقدر نفسه من الإشادة والنقد. إشادة بدوره في الدفاع عن استقلالية الاتحاد والحرص على اتخاذ مسافة من السلطة، ونقد “لوسطيته” المفرطة (نقد وجهته له بعض التيارات النقابية الراديكالية) بين تعنت بورقيبة و”جموح” الحبيب عاشور (الرجل القوي لاتحاد الشغل وسلف البكوش في الأمانة العامة للاتحاد وخلفه في آن)، لكن البكوش فنّد تهمة “الوسطية” تلك بدفاعه عن الحبيب عاشور واشتراطه الإفراج عنه وعودته إلى القيادة النقابية، وكان حينها يقود جهود الوساطة بين النقابة والسلطة الوزير الأول محمد مزالي، وبعد عودة عاشور إلى المسؤولية الأولى في المؤتمر السادس عشر من 15 إلى 21 كانون الأول ـ ديسمبر من العام 1984 في تونس الذي ثبّت الحبيب عاشور أمينا عاما، فانسحب الطيب البكوش من هياكل الاتحاد ورفض المشاركة في مؤتمر سوسة للعام 1989 مشترطا ضرورة تجديد كل هياكل الاتحاد قبل المؤتمر.


مغادرة العمل النقابي


التجربة النقابية العاصفة للبكوش، والتي أغلق قوسها بعد مغادرته للمنصب الأول في المنظمة، أتاحت له التفرغ لرؤية أخرى للاهتمام بالشأن العام. وهي الرؤية الحقوقية حيث انخرط في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، ثم كان من مؤسسي المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي تأسس بمبادرة من المنظمة العربية لحقوق الإنسان واتحاد المحامين العرب والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبدعم من مركز الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وترأس مجلس إدارته لسنوات طويلة تحديدا من 1998 إلى عام 2011، ثم استقال بعد الثورة، ليبدأ مساره الجديد؛ رجل السياسة.

يُتهم البكوش بالوسطية رغم إشادة الجميع بدوره في الدفاع عن استقلالية اتحاد الشغل والحرص على اتخاذ مسافة من السلطة، وكان يمثل ميزانا من نوع خاص بين تعنت بورقيبة وجموح الحبيب عاشور


رجال الدولة بعد عهد بن علي


بعد فرار زين العابدين بن علي خارج البلاد، كان الطيب البكوش لا يزال رئيسا للمعهد العربي لحقوق الإنسان، لكن، الأهم، أنه كان يختزن سيرة ذاتية مكتظة بالمحطات؛ أكاديمي ونقابي وحقوقي، وكان يتوفر على شبكة علاقات واسعة جدا، تونسيا وعربيا ودوليا، وكانت صورته جيدة وبلا شقوق لدى مختلف التيارات السياسية، حيث نجح في أن يحافظ على علاقته بكل التيارات التونسية المعارضة، وفي أن يصنع لنفسه صورة محترمة لدى رجالات النظام والسلطة. معطيات تضافرت لتؤهله لتقلد منصب وزير التربية (والناطق الرسمي) في حكومة الباجي قايد السبسي الانتقالية، التي تشكلت عقب اعتصام القصبة 2 الرافض لتواصل حكم النظام القديم.

شارك الطيب البكوش في تأسيس حركة نداء تونس، الذي حصل على تأشيرة العمل القانوني في تموزـ يوليو من العام 2012، وتقلد أمانته العامة. تأسس الحزب أثناء حكم الترويكا (حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات) والذي لاحظت فئات واسعة من عموم الشعب التونسي أنها فترة مشوبة بانحرافات حادة عن مضامين الثورة واحتياجات البلاد. انطلق حزب نداء تونس بمبادرة من الباجي قايد السبسي مضمونها تجميع كل القوى والتيارات والشخصيات المؤمنة بمدنية الدولة، وبالحفاظ على الدولة الوطنية التي بناها جيل الاستقلال، وتحولت المبادرة بسرعة إلى حزب سياسي توصل إلى أن يجمع حوله عديد التيارات والشخصيات من مختلف المشارب الفكرية والأيديولوجية. وكان الحزب يهدف لبناء “كيان سياسي يطمح لجمع كل القوى الديمقراطية الحية في تونس. سيجتمع فيه عدد كبير ممن يريد خدمة الوطن خارج تجاذبات مرض الزعاماتية والعمى الأيديولوجي والسياسي”.


السياسي الرصين ونداء تونس


بين مسؤولية وزارة التربية ومهمة الناطق الرسمي للحكومة التي أمنت، آنذاك، الوصول بالبلاد إلى انتخابات 23 أكتوبر 2011، وبين تأسيس حزب نداء تونس، تمكّن الطيب البكوش من تقديم صورة رصينة هادئة، اختلفت عما “فوجئ” به التونسيون من الصور المتشنجة التي أتقنت تقديمها أغلب الوجوه المنتمية إلى حكم الترويكا، ولذلك حظي الرجل بمزيد من الاحترام حتى ممن يختلفون أو يعارضون حزبه.

وكان وجود الطيب البكوش، ومعه بعض الوجوه الأخرى، مفيدا لحزب نداء تونس، أولا لما يختزنه الرجل من خبرة ومن جرعة عالية من التسييس تتيح له هدوء التحليل ومرونة التعامل مع الخصوم، وثانيا لكي يدرأ عن الحزب لوثة أو تهمة طالما حاول خصومه إلصاقها به هي تهمة كونه امتداد للتجمع الدستوري (حزب بن علي)، فكان وجود طائفة من الشخصيات اليسارية والليبرالية التي لم تنتم يوما ولم تنضو لنظام بن علي، دليلا إضافيا على أن الحزب، وإن ضم بعض الوجوه الدستورية أو التجمعية، فإنه يتصدى للشأن العام بمسحة جديدة قوامها الدفاع عن ثوابت جديدة تفرضها المرحلة التونسية الراهنة.

اليوم، وبعد أن وضعت الانتخابات التونسية أوزارها وكشفت كل خباياها، يعود اسم الطيب البكوش إلى صدارة القراءات السياسية، لكنه يعود بوصفه مرشحا بقوة لتحمل مسؤولية رئيس الحكومة الائتلافية التي ينتظر أن يشكلها حزب نداء تونس، وقد قال قيادي في الحزب إن النداء يتجه نحو تشكيل حكومة ائتلاف وطني يرأسها الأمين العام للنداء الطيب البكوش.

وأبلغ القيادي في النداء أن النداء جاهز للحكم وأنه حسم في أمرين أساسين، أولهما أن تكون الحكومة القادمة حكومة ائتلاف وطني تضم الأحزاب الديمقراطية القريبة سياسيا وأيديولوجيا من النداء، وثانيهما تكليف الأمين العام الطيب البكوش بتشكيل الحكومة ورئاستها”.

البكوش الذي يحمل تاريخه المدجج بالتجارب، سيخوض تجربته الجديدة، متكئا على ما حصّله من رصيد متنوع يسمح له بأن يسهم في إخراج البلاد من عنق الزجاجة، ومعتمدا على حزبه متنوع المشارب الفكرية والأيديولوجية والذي يوحده رابط الإيمان بالدولة المدنية الديمقراطية. ولا شك أن الطيب البكوش سيستدعي أيضا “وسطيته” التي طالما كانت تهمة وصمته بها بعض التيارات القصوية. لكن نداء تونس وأمينه العام (أو رئيس الحكومة المرتقب) لن يكون في مأمن من سهام النقد والانتقاد؛ نقد ستمارسه القوى الديمقراطية الحية في البلاد، وانتقاد (قد يستحيل تشكيكا) من القوى التي تؤمن بالديمقراطية وفق صيغة “أنا وبعدي الطوفان”، على شاكلة حركة النهضة التي ترى أن “نداء تونس الذي يضم منتمين سابقين لحزب التجمع ويساريين ونقابيين امتداد للحزب الحاكم في عهد بن علي”، وتناست جحافل التجمعيين التي انضمت إليها بعد الثورة وأعادت رسكلتهم وأسبغت عليهم صفة “رجال نظاف ولحية”.

8