الطيب الصديقي: تجربة رائدة في استلهام التراث الفرجوي

الاثنين 2016/02/08
الطيب الصديقي ساهم في ترسيخ هوية مسرح عربي يبحث عن أصالته

تشهد كل الأقلام الوطنية والعربية على علوّ كعب الطيب الصديقي هذا الفنان المسرحي العريق وتشيد بالتجربة العريضة التي خاضها من أجل ترسيخ هوية مسرح عربي يبحث عن أصالته المفتقدة وربطه بتطورات المسرح العالمي. وكانت ظروف سعيدة هي التي قد قادت هذا الفنان الرائد إلى المشاركة وهو يافع في التدريب المسرحي الأول الذي أقامته مصالح الشبيبة والرياضة في غابة المعمورة خلال سنة 1954 تحت إدارة الفنيّ الفرنسي أندري فوازان.

وقد تميزت مشاركته في هذا التدريب بالألمعية والنجابة اللتين أثارتا انتباه القيّمين على التدريب ونالتا إعجاب زملائه من أمثال عبدالصمد الكنفاوي والطاهر واعزيز وأحمد الطيب العلج… وقد بلغ الاهتمام بمواهبه أن عيّنه المخرج فوازان مساعدا له وأوكل إليه الإشراف على بعض الورشات التي كانت تقام على هامش هذا التدريب وما تلاه.

وبإيعاز من والده الفقيه الصديقي صاحب كتاب “إيقاظ السريرة في تاريخ الصويرة”، سوف يسافر الطيب الشاب أواسط الخمسينات إلى فرنسا وفي نيّته أن يباشر دراسات في الهندسة المعمارية، كان ذكاؤه وثقافته يؤهلانه لخوضها بكل نجاح إسوة بالشباب المغربي المتفوق، ولكن ميولاته الفنية والمسرحية تحديدا كانت أقوى وأشدّ تأثيرا من نصيحة الوالد، بحيث جنحت به بعيدا عن الدراسة العلمية وجعلته يتوغّل عميقا في المجال المسرحي حيث اتجه إلى متابعة دروس في المسرح في مدينة رين، تحت إشراف الأستاذ هوبير جنيو الذي مكّنه بعد ذلك من الانتظام في أهم فرقة مسرحية في ذلك الوقت، وهي المسرح الوطني الشعبي الذي أسّسه وأداره باقتداره المعروف المسرحي الفرنسي جان فيلار.

الصديقي سعى إلى الجمع بين النزعة التسجيلية الوثائقية التي ميزت مسرحه التاريخي، وتوظيف الأشكال التعبيرية التراثية والتقليدية

وكان هذا الأخير قد اشتهر، إلى جانب إخراجاته اللامعة، بولعه الخاص باستمداد عناصر الإبداع الدرامي من أشكال الفرجات الشعبية ذات الملامح الدرامية بهذا القدر أو ذاك، وبميله الطليعي إلى استغلال النزوع الفطري للممارسة الاحتفالية لدى الإنسان في بناء عروض مسرحية. وقد زاد جان فيلار على ذلك بأن نصحه، وهو يغادر فرنسا إلى المغرب، تلك النصيحة التي جعلها الصديقي خارطة طريق على مدى حياته الفنية قاطبة، وهي دعوته إلى نسيان كل ما تعلّمه من نصوص وجماليات غربية والاحتفاظ منها فقط بالمعرفة التقنية.

وقد كان بودّ الصديقي أن يعمل بهذه النصيحة الذهبية عن طيب خاطر لولا أنه وجد بلاده ولغته وثقافته خلوّا من كل تراث مسرحي أو تراكم درامي يستند إليه ويجعل منه نقطة انطلاقه، ولذلك سنجده بعد أن أسس فرقة المسرح العمالي سنة 1957 برعاية المركزية النقابية للاتحاد المغربي للشغل، وحتى قبل ذلك بقليل، يلجأ إلى الاقتباس من الريبرتوار العالمي الذي جعل منه ما يشبه المادة الخام لتجريب طاقته في المعالجة الدرامية وتقريب الذخيرة المسرحية الإنسانية من المشاهد المغربي وخاصة من تلك الفئات العريضة من العمال الذين كانت الفرقة تتوجه إليهم. وفي هذا السياق قدّم الصديقي أعمالا درامية لافتة مثل “برلمان النساء” لأرستوفان و”الوارث” لرينيار و”المفتش” لغوغول و”بين يوم وليلة” لتوفيق الحكيم وغيرها من الأعمال الرائدة في تاريخ المسرح الكوني.

في سنة 1965 سيعيّن الصديقي مديرا على هذه المؤسسة المسرحية العتيدة المسماة المسرح البلدي وتصير فرقته اسما على مسمى. وينخرط في تجربة تستمد من التراث المغربي موضوعها وأشكالها في إشارة لامعة إلى ما سيؤول إليه مساره من انكباب على الموروث المحلي واستمداد ما فيه من جمالية خبيئة. وسوف يقدم خلال هذه المرحلة العمل الرائد “سلطان الطلبة” الذي ألّفه رفيقه عبدالصمد الكنفاوي اعتمادا على الفرجة الطلابية الشهيرة التي تعتبر من صميم التقاليد الكرنفالية المغربية، ومسرحية “سيدي ياسين في الطريق” التي تشخص الصراع التقليدي بين نشدان الحداثة والانشداد إلى التقاليد البالية ممثلة هنا في تقديس الأولياء. ومسرحية “مدينة النحاس” التي استلهمها أخوه السعيد الصديقي من ألف ليلة وليلة.

وكان قبل ذلك بقليل قد أتيح له أن يسير بالمسرح المغربي نحو انعطافة انقلابية بكل المقاييس والتي تمثلت في خوض تجربة مسرح اللامعقول الذي كان يشكّل حقبتئذ قطبا جاذبا لكل المسرحيين الطليعيين في العالم. وكما لو أنه كان يرغب في الالتفاف على الدائرة من جديد، ستعقب هذه التجربة غير المسبوقة في التعاطي مع المسرح الأوروبي الطليعي التفاتة من الصديقي إلى الموضوعات التاريخية التي تعيد إلى الأذهان جذور المسرح الملحمي باتجاهها إلى تأصيل لحظات من التاريخ الوطني للمغرب والمغاربة. وسوف يدشن هذا المسار الاسترجاعي سنة 1963 بمسرحية “معركة الملوك الثلاثة”. ويتواصل هذا المنحى في مسرح الصديقي بنوع من الإلحاح والتصميم عبر مسرحيات “المغرب واحد” سنة 1965، و“المولى إسماعيل” سنة 1968، و“معركة الزلاقة” سنة 1970، و“المولى إدريس” سنة 1974…

الاستخدام التراثي، من طرف الصديقي، لم يكن يقتصر على الجانب الشكلي الخارجي بحصر المعنى وإنما يتجاوزه للنفاذ إلى ما خلف القشرة أو المظهر

وعودة إلى استلهام نصيحة جان فيلار التي تدعوه إلى التعلم من شعبه فنون الأداء والتوقف عن اقتفاء أثر المسارح الأكاديمية سيسعى الصديقي إلى الجمع بين النزعة التسجيلية الوثائقية التي ميزت مسرحه التاريخي، وتوظيف الأشكال التعبيرية التراثية والتقليدية، وخاصة منها فن الحلقة.

وتأخذ الحلقة اسمها من شكلها الهندسي الدائري حيث يتحلّق المتفرجون في صفوف حول صاحب الحلقة الذي يتخذ مكانه في نقطة ما وسطها. ويكون مكان قيامها الاعتيادي في الفضاء المفتوح على الهواء الطلق كالساحات العمومية والأسواق الأسبوعية ومواسم الأولياء. وقد طارت شهرة بعض هذه الساحات حتى صارت لها سمعة عالمية مثل ساحة جامع الفنا بمراكش التي صنّفتها منظمة اليونسكو تراثا عالميا. وقد أتيح للحلقة، باعتبارها طقسا احتفاليا وفرجة شعبية، أن تستقطب اهتمام المسرحيين المغاربة من جميع الأطياف.

وكان الطيب الصديقي، منذ بداية ستينات القرن الماضي، قد استقرّ نظره ثم وعيه على ما يزخر به التراث الفرجوي، وفي مقدمته فن الحلقة، ولن يتأخر الوقت حتى نرى الصديقي أواسط الستينات يوظف بعض أشكال هذه الفرجات الفطرية في مسرحه، وذلك دون ثرثرة نظرية زائدة أو ادعاء فج. قام بذلك في مسرحيتيه الرائدتين “سيدي عبدالرحمن المجذوب” (1968) و“الحراز” (1970) وفي رائعته “مقامات بديع الزمان الهمذاني” (1971) حيث يستلهم شكل الحلقة الشعبية ويجعل جمهور “الممثلين” يتحلق حول البطل مستمعا ومعلّقا ومشاركا في التشخيص والمشاهدة تماما كما يحصل مع جمهور المتفرجين.

ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى أن هذا الاستخدام التراثي، من طرف الصديقي، لم يكن يقتصر على الجانب الشكلي الخارجي بحصر المعنى وإنما يتجاوزه للنفاذ إلى ما خلف القشرة أو المظهر حيث يعمد إلى استلهام العوالم المضمرة والأبعاد الأخلاقية الكامنة وراءه أملا في تحقيق توظيف عضوي يُغني العمل المسرحي ويغتني به.

(جزء من مقال سيصدر في عدد مجلة "الجديد" اللندنية عن المسرح العربي)

15