الطيب الصديقي رحلة فنان في مختبر الفرجة المسرحية

في الدورة الرابعة لمهرجان دمشق للفنون المسرحية عام 1972، فوجئ المسرحيون العرب بعرض مسرحي عنوانه “مقامات بديع الزمان الهمذاني” لمخرج مغربي اسمه الطيب الصديقي. أثار العرض وقتها جدلا واسعا بين النقاد تركز على جانبين، الأول يرتبط بالنص المستمد من التراث، والثاني يرتبط بالشكل الاحتفالي، أو الفرجوي، وقد ذهبت الأبحاث والدراسات التي كتبت عنه في ما بعد إلى أنه كان من أنضج التجارب المسرحية العربية التي زاوجت بين إمكانات التراث العربي، من حيث الحكايات وأشكال الفرجة المختلفة، وتقنيات المسرح المعاصر. الصديقي رحل الجمعة الماضي عن عمر ناهز 79 سنة مخلفا آثارا فنية هامة سيظل من خلالها أحد أبرز أعلام المسرح المغربي والعربي.
الاثنين 2016/02/08
شخصية مولعة بالتراث العربي

يمثل المخرج المغربي الطيب الصديقي، الذي رحل الجمعة الماضي عن عمر ناهز 79 سنة، علما يُحتفى به كأبرز أعلام المسرح المغربي والعربي، ويتردد اسمه في المحافل المسرحية، فمن خلاله صار للمسرح الاحتفالي وما يندرج في سياقه من عروض تعتمد أشكال “الفرجة”، حضور واسع في المسرح العربي، مشكّلا تيارا مسرحيا قاده عدد من المسرحيين المغاربة، كتّابا ومخرجين ونقادا، ونظّروا له ببيانات ودراسات، وكتبوا نصوصا تتمثّل توجهَه، بوصفه فلسفة تحمل تصورا جديدا للوجود والإنسان والتاريخ والفن والأدب والسياسة والصراع، أبرزهم عبدالكريم برشيد، الذي عرف هذا المسرح في بيانه الأول بـ“أنه في الأساس موعد عام، موعد يجمع في مكان واحد وزمن واحد بين فئات مختلفة ومتباينة من الناس، موعد يتمّ انطلاقا من وجود قاسم مشترك يوحد بين الناس ويجمع بينهم داخل فضاء وزمان موحد. وهذا القاسم المشترك لا يمكن أن يتجسم إلا داخل إحساس جماعي أو قضية عامة، قضية تهمّ الجميع، وتعني كل الفئات المختلفة”.

إيجاد الهوية

ولد الطيب الصديقي عام 1937 في مدينة الصويرة المغربية المطلة على المحيط الأطلسي من جهة الجنوب، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، حاصلا على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) في مدينة الدار البيضاء. وشارك بالصدفة في تدريب مسرحي بالمعمورة، سنة 1954 نظمته وزارة الشبيبة والرياضة تحت إشراف الفرنسيين أندري فوازان وشارل نوك، وكانت مشاركته من خلال انتمائه إلى “فرقة التمثيل المغربي” التي ضمت خيرة الذين شاركوا في ذلك التدريب. ثم شارك مع الفرقة في مهرجان باريس لمسرح الأمم سنة 1956 بمسرحية “عمايل جحا” المقتبسة عن نص “حيل ساكابان” لموليير. ولفتت مشاركته أنظار المهتمين، فأتاحوا له فرصة المشاركة في تدريب بالمركز المسرحي لغرب فرنسا تحت إشراف هوبير جينيو، انتقل بعدها، بدعوة من مدير المسرح الوطني الشعبي في باريس المخرج الشهير جان فيلار، للمشاركة في التدريب على التقنيات المسرحية مدة سنتين.

الصديقي اشتهر بتوظيفه للتراث العربي والمغربي في تجاربه الإخراجية ضمن رؤية تتوخى إيجاد هوية مسرحية ذات طابع شعبي

أنشأ بعد عودته إلى الدار البيضاء فرقة “المسرح العمالي”، وأخرج لها في موسمها الأول مسرحية “الوارث”، تلاها بمسرحيات أخرى منها: “المفتش” المقتبسة عن غوغول، “بين يوم وليلة” لتوفيق الحكيم، و“الجنس اللطيف” التي اقتبسها عن نص “برلمان النساء” لأرستوفانيس. ثم عاد إلى فرنسا لاستكمال تكوينه المسرحي التقني.

عقب عودته النهائية إلى بلده انكب الصديقي على إنجاز أعمال مسرحية توزعت على التأليف والتمثيل والإخراج والإدارة والتكوين، واشتهر بتوظيفه للتراث العربي والمغربي في تجاربه ضمن رؤية تتوخى إيجاد هوية مسرحية ذات طابع شعبي محلي، في إطار مسرح “الحلقة” ومسرح “البساط”، دون الاستغناء عن روح العصر.

من أشهر أعمال الصديقي المسرحية، إضافة إلى المقامات، “ديوان سيدي عبدالرحمن المجذوب”، “مولاي إدريس”، “الحراز”، “مولات الفندق”، “في انتظار مبروك”، “مومو بوخوصة”، “الغفران”، “مذكرات أحمد” أو “النقشة”، “أبوحيان التوحيدي” “ألف حكاية وحكاية من سوق عكاظ”، و“عزيزي” التي كانت آخر عمل مسرحي قدمه عام 2005. وله أيضا فيلم سينمائي بعنوان “الزفت”، مكيّف عن مسرحية “في الطريق” التي تتناول ظاهرة الأولياء (الأضرحة). وعُرف بانفتاحه على تجارب مسرحية عربية وعالمية، وترجم وكتب الكثير من النصوص المسرحية، وشارك كذلك ممثلا في فيلم “الرسالة” لمصطفى العقاد.

تُعدّ رائعة الصديقي “ديوان سيدي عبدالرحمان المجذوب”، التي قدمها سنة 1967، أكثر مسرحياته نجاحا وشعبية، وهي تعرض حياة وأزجال الشاعر الشعبي الشيخ عبدالرحمان المجذوب (1503- 1569). ووظف الصديقي في إخراج هذه المسرحية الحلقة كشكل فني، مستعيرا جامع الفنا، الساحة الشعبية الشهيرة في قلب مدينة مراكش، كفضاء سحري يخول له تقديم عرض شامل.

الأصالة والمعاصرة

تجمع الأبحاث التي كتبت عن الطيب الصديقي على أنه حاول الجمع في اختياراته وكتاباته المسرحية بين الأصالة العربية وروح المعاصرة. وكان الجذر الشعبي المغربي هو المحرك صوب إيجاد مسرح بديل.

الصديقي استغل الحلقة في المسرح في شكلها الهندسي الدائري حيث يتحلّق المتفرجون في صفوف حول صاحب الحلقة

كما أنه ثار على المكان التقليدي (العلبة الإيطالية) للعرض المسرحي، فقدم الكثير من تجاربه في الشوارع والساحات العامة وملاعب كرة القدم. واهتم بالعلاقة بين العرض المسرحي والمتلقين جاعلا لهم دورا مهما في التجربة، لا دورا هامشيا. وأدخل الأناشيد الشعبية والموسيقى المحلية، بدلا من الموسيقى العالمية الجاهزة، وركّز على النقد والتهكم في عروضه المأخوذة عن الموروث وإسقاطهما على الحياة الراهنة. وتناول التناقض المؤلم بين الفقر المقذع والغنى المفرط. وأفاد من إنجازات المسرح الحديث، ولا سيما مسرح برتولد برخت في علاقته بالمتلقين، أو في إيقاظ العقل وكسر الإيهام.

في الفصل الخاص بالمسرح المغربي من كتاب “المسرح في الوطن العربي”، كتب الناقد علي الراعي عن الصديقي قائلا إنه: المثال الحي لما نسميه في الشرق “مؤلف العرض المسرحي”، فقد تولى كتابة وتمثيل وإخراج أعماله المهمة التي عرف بها مثل “ديوان سيدي عبدالرحمن المجذوب” و“مقامات بديع الزمان الهمذاني” اللذين يمثلان محاولتين من الصديقي لاستمداد التراث العربي وإعادة صياغته بحيث يصبح مادة لمسرح عربي كثير القرب من قلوب الجماهير.

وفي أحدث كتاب صدر عن الصديقي، وهو بعنوان “مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي”، عن منشورات “أمنية” في الدار البيضاء، يتناول مؤلفه الباحث المغربي رشيد بناني مسار الراحل، عبر بابين: أولهما “الطيب الصديقي حياة فنان”، أما الباب الثاني فهو عن تطور الكتابة المسرحية عند الطيب الصديقي، ضمنهما مقاربات دراماتورجية لأعماله المبكرة.

رحل الصديقي بعدما حقق حلما طال انتظاره وهو بناء مسرح خاص به اختار له اسم “مسرح موكادور” اعتزازا بالاسم القديم لمسقط رأسه “الصويرة”، لينقل “المسرح الجوال”، الذي سبق أن أنشأه، وفرقته الخاصة “مسرح الناس” إلى رحاب جديدة. رحل بعدما آنس واستأنس مع عطيل شكسبير، وطرطوف موليير، وبديع الزمان الهمذاني بصحبة عيسى بن هشام، وسيدي عبدالرحمن المجذوب، وأبي حيان التوحيدي، وبعدما جعل من المسرح هاجسا شخصيا كي يعيد الروح لكل شخصية من شخصياته، ويستحضرها في كينونتها الدرامية.

اقرأ أيضا:
15